الثلاثاء، 15 سبتمبر 2009

الحائط الحديدي الفصل الأول

إنشاء دولة إسرائيل
1947 – 1949

ولدت دولة إسرائيل في غمرة الحرب مع عرب فلسطين والدول العربية المجاورة. تلك الحرب التي أطلق عليها الإسرائيليون حرب الاستقلال وأطلق عليها العرب النكبة أو الكارثة، كانت ذات مرحلتين. المرحلة الأولى استمرت من 29 نوفمبر 1947، حين أصدرت الأمم المتحدة قرار التقسيم، وحتى 14 مايو 1948 عندما تم إعلان دولة إسرائيل. وامتدت المرحلة الثانية من 15 مايو 1948 وحتى وقف القتال في 7 يناير 1949. المرحلة الأولى وغير الرسمية من الحرب التي كان طرفاها اليهود وعرب فلسطين قد انتهت بانتصار لليهود وبمأساة للفلسطينيين. أما المرحلة الثانية والرسمية والتي كانت تضم الجيوش النظامية للدول العربية المجاورة فقد انتهت أيضاً بانتصار يهودي وهزيمة عربية شاملة.
كانت الشخصية المحورية في الجانب الإسرائيلي أثناء الحرب العربية – الإسرائيلية ممثلة في دافيد بن جوريون. وبصفته رجل اليهود القوي، فإن بن جوريون جمع كل السلطات في يده بعزيمة لا تلين. وفي عام 1946 قدم مقترحاته الخاصة بالسيناريو الدفاعي في المجلس التنفيذي للوكالة اليهودية وبدأ على الفور تجهيز اليهود للمواجهة العسكرية مع العرب والتي كانت محتمة من وجهة نظره. وأعلن قبوله مشروع الأمم المتحدة للتقسيم ولكن لم يقبل الحدود على أنها نهائية للدولة اليهودية. وعلى الرغم من أنه أعلن تقديره للتأييد العالمي، وخاصة من جانب الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي لفكرة الدولة اليهودية إلا أنه لم يتوقع أن يتم تقديم الدولة اليهودية على طبق من فضة. بل كان على يقين أن اليهود في النهاية يجب أن يقاتلوا من أجل دولتهم، أرادا إحراز نصر عسكر يهودي حاسم. من أجل هذا أعلن مسئوليته عن توجيه الصراع العسكري وترك لموشيه شاريت – في نيويورك – مهمة القيام بالحملة الدبلوماسية من أجل الدولة اليهودية. وق تمتع بن جوريون أيضاً بالتأييد القوي من جولدا مائير (مايرسون سابقاً) أثناء الصراع من أجل الاستقلال.
وكانت مسز مائير قد ولدت في روسيا عام 1898 وأكملت تعليمها في ميلوكي كمدرسة، ثم هاجرت إلى فلسطين عام 1921، حيث برزت بين صفوف اتحادات العمال حتى تقلدت منصباً بارزاً في حزب العمل. وفي عام 1946 عندما تم القبض على موشي شاريت بواسطة البريطانيين، أصبحت مسز مائير رئيسة للقسم السياسي بالوكالة اليهودية. وفي الفترة 47-1948 أخذت على عاتقها مسئولية جمع التبرعات في الولايات المتحدة مفسحة الوقت لبن جوريون للتركيز على الجانب العسكري في الصراع.
إن قبول مشروع الأمم المتحدة تضمن الموافقة على الدولة الفلسطينية، ولكن الواقع أن الزعماء الصهاينة فضلوا السعي نحو التفاهم مع أحد حكام الدول العربية المجاورة. وبالفعل حققوا نجاحاً باهراً مع جارهم باتجاه الشرق الملك عبد الله ملك الأردن. هل كان لديهم أي بديل دبلوماسي؟ هل كان لديهم أي خيار فلسطيني في 47-1949؟ الإجابة عن هذا السؤال يجب أن تكون بالنفي، لأنه في ظل قيادة الحاج أمين الحسيني ظلت الحركة القومية الفلسطينية لا تقبل المهادنة في معارضتها للصهيونية في أواخر الأربعينيات كما كانت طوال الخمسة وعشرين عاماً السابقة عليها.
كان الصهاينة يبحثون عن زعيم عربي يمكن أن يقبل مبدأ التقسيم، ويوافق على قيام دولة يهودية، ويكون راغباً في التعايش في سلاك مع تلك الدولة بعد قيامها. وفي عام 1947 كان هناك حاكم عربي واحد تنطبق عليه الشروط هو الملك عبد الله. كانت هناك علاقات ودية بين الملك عبد الله والصهاينة منذ إقامة إمارة الأردن في عام 1921. قام عبد الله بعمل تقدير واقعي لتوازن القوى بين الحركة الصهيونية والحركة القومية العربية. ربما لم يكن يستوعب تماماً الأيدلوجية التي تحث اليهود على الكفاح بلا هوادة من أجل دولة مستقلة في فلسطين، ولكنه عرف مدى اهتمامهم بذلك عندما رآه رأي العين.
لقد وجد عبد الله والصهاينة في بعضهما البعض وسيلة لتحقيق غاية ما. فبالنسبة لعبد الله، مثل الصهاينة له مصدر دعم محتمل لتحقيق حلمه في سوريا الكبرى. أما بالنسبة للصهاينة، فإن عبد الله كان يمكن أن يقدم لهم وسيلة تحطيم حصار العداء العربي الذي يحيط بهم من كل جانب. كان عبد الله والصهاينة يتكلمون نفس اللغة – لغة الواقعية – ولكن من خلال سيناريوهات مختلفة. لقد قويت أواصر الصداقة الهاشمية – الصهيونية من خلال مصدر الحماية المشترك المتمثل في بريطانيا والعدو المشترك المتمثل في شخص الحاج أمين الحسيني مفتي القدس.
كانت القومية الفلسطينية تمثل تهديداً لكلا الجانبين، ولذلك فإنهما أصحاب مصلحة مشتركة في قمعها. ومع اقتراب الانتداب البريطاني من الوصول إلى نهايته المحتومة، وحد الجانبان جهودهما من أجل تنسيق إستراتيجيتها.
وفي 17 نوفمبر 1947، قبل اثنى عشر يوماً من اجتماع الأمم المتحدة لتقرير مصير فلسطين، التقت جولدا مائير – ممثلة الوكالة اليهودية في غياب شاريت – سراً مع الملك عبد الله في نهاريم على نهر الأردن، ووصلت معه إلى قدر كبير من التفاهم. وقد بدأ عبد الله بعرض خطته في أن يحل محل المفتي، ويضع يده على الجزء العربي من فلسطين، ويضمه إلى مملكته وطلب الرد اليهودي على خطته. وأجابت مسز مائير بأن اليهود سوف ينظرون بعين العطف إلى ذلك، وخاصة إذا لم يتدخل عبد الله في مسألة إقامة دولة يهودية، وتجنب المواجهة العسكرية، وتعاون مع الأمم المتحدة. ولم تمنح مائير عبد الله أي وعد بدعم يهودي فعال فيما يختص بعرضه ضم الجزء العربي من فلسطين إلى مملكته. بدلاً من ذلك، تم التفاهم على أنه يمكن أن يقوم بذلك بنفسه وأن يقيم اليهود دولتهم، وبعد أن ينقشع الغبار يمكن للطرفين تحقيق السلام. هذا الاجتماع لم يلزم أي طرف من الطرفين رسمياً بالقيام بتصرف معين، وبالتأكيد ليس قبل صدور قرار الأمم المتحدة. ولكنه أدى إلى التقاء الأفكار ووضع أسس لتقسيم فلسطين عبر خطوط مختلفة تماماً عن الخطوط التي تم تصورها في النهاية بواسطة الأمم المتحدة.
وسرعان ما تدهور الموقف في فلسطين بعد اقتراع الأمم المتحدة في 29 نوفمبر لصالح التقسيم، وبدأت حرب العصابات العربية ضد الأهداف اليهودية وكان بن جوريون على يقين بأن هذه الهجمات هي مجرد مقدمة لمواجهة عسكرية شاملة مع الجيوش النظامية للدول العربية المجاورة. وفي يومي 1 و2 يناير 1948 اجتمع مع كبار مستشاريه المدنيين والعسكريين، وساعدته هذه الاجتماعات على صياغة إستراتيجية يهودية لمواجهة الصراع المتصاعد. وقلل الخبراء العرب في الوكالة اليهودية من شأن الخطر العسكري الذي يمثله العرب المحليون وطالبوا بالمرونة السياسية في التعامل معهم.
أما قادة الهاجاناه، على الجانب الآخر، فقد طالبوا بالقيام بهجمات انتقامية شديدة الوطأة. وأيد بن جوريون هذا الرأي وأعلن إن أفضل بديل في الظروف الحالية ليس احتواء وتهدئة الأحداث ولكن تصعيد الصراع العسكري. وبالتالي، لجأت الهاجاناه إلى سياسية "الدفاع الهجومي" مصحوباً بالتدمير الاقتصادي والحرب النفسية. وكانت الخطة D المعدة بواسطة قادة الهاجاناه في أوائل مارس علامة بارزة على طريق تطوير الإستراتيجية الهجومية. وفي الشهر السابق قام الجنود الفلسطينيون غير النظاميين بقيادة عبد القادر الحسيني بقطع الطريق الرئيسي بين تل أبيب والقدس وأصبحت لهم اليد العليا في حربهم مع الهاجاناه.
وبعد المعاناة من جراء العديد من الهزائم على أيدي المقاتلين الفلسطينيين قرر زعماء الهاجاناه أخذ زمام المبادرة والقيام بالهجوم. وكان هدف الخطة D تأمين كل المناطق المخصصة للدولة اليهودية طبقاً لقرار الأمم المتحدة الخاص بالتقسيم وكذلك تأمين المستوطنات اليهودية خارج هذه المناطق والممرات المؤدية إليها، وبذلك يتم وضع قاعدة صلبة ومستمرة للسيادة اليهودية. إن حدة وجرأة هذه الخطة تكمن في الأوامر الصادرة باحتلال القرى والمدن العربية وهي أمر لم تحاوله الهاجاناه أبداً من قبل.
وعلى الرغم من أن تعبير الخطة D كان غامضاً، فإن هدفها كان يتلخص في تطهير البلد من العناصر العربية المعادية أو التي من المحتمل أن تصبح معادية، وبذلك وجدت ذريعة لطرد المدنيين ومن خلال تنفيذ الخطة D في إبريل ومايو، ساهمت الهاجاناه على نحو مباشر ومحدد في خلق مشكلة اللاجئين الفلسطينيين.
تفسخ المجتمع الفلسطيني نتيجة للعدوان العسكري اليهودي الذي حدث في إبريل، وكان طرد الفلسطينيين يتم دون إبطاء. كانت هناك أسباب عديدة لخروج الفلسطينيين، تشتمل على الرحيل المبكر للقادة الفلسطينيين عندما سأت الأمور ولكن السبب الأكثر أهمية كان يتمثل في الضغط العسكري اليهودي. لم تكن الخطة D مخططاً سياسياً لطرد عرب فلسطين ولكنها كانت خطة عسكرية ذات أهداف عسكرية وإقليمية.
ومع ذلك، من خلال الأمر باحتلال المدن العربية وتدمير القرى، بررت وسمحت بالخروج الإجباري للمدنيين العرب. وبحلول نهاية عام 1948 وصل عدد اللاجئين الفلسطينيين إلى حوالي 700 ألف لاجئ. ولكن أول وأكبر موجة من اللاجئين قبل الاندلاع الرسمي لهجمات 15 مايو. وقد انتهى المطاف بمعظم اللاجئين في الضفة الغربية وقطاع غزة وفي الدول العربية المجاورة وخاصة الأردن وسوريا ولبنان.
أدى انهيار المقاومة الفلسطينية إلى قيام جامعة الدول العربية بحشد الجيوش النظامية للدول الأعضاء من أجل الكفاح ضد التقسيم وهذا يتنافى مع قرارها السابق بالقيام فقط بتمويل وتسليح العرب المحليين بينما على الجانب اليهودي، أدى انقلاب الموقف إلى تعزيز الإيمان بأن القوة العسكرية هي الحل الوحيد للمشكلة العربية. وقد رفضت الوكالة اليهودية اقتراحاً أمريكياً تم تقديمه في الأسبوع الأول من مايو يقضي لوقف إطلاق النار بلا شروط ومد فترة الانتداب عشرة أيام لإفساح الوقت للتفاوض في فلسطين كما تم إجهاض اقتراح بريطاني للهدنة في القدس بسبب المراوغة المستمرة من جانب الوكالة اليهودية.
لم تكن الجهود الدبلوماسية للوكالة اليهودية موجهة نحو الهدنة مع الفلسطينيين ولكنها كانت مكرسة لإثناء الملك عبد الله عن الانضمام لخطة جامعة الدول العربية لغزو فلسطين فور انتهاء الانتداب البريطاني. وفي 11 مايو، تخفت جولدا مائير في زي امرأة عربية وقامت برحلة محفوفة بالمخاطر إلى عمان كمحاولة أخيرة لإنفاذ اتفاقها الذي توصلت إليه مع الملك في اجتماعها معاً قبل ستة أشهر مضت، استقبل الملك زائرته الليلية بترحاب، ولكنه بدا مكتئباً ومعتل المزاج وواقع تحت ضغط كبير. واقترح أن تظل فلسطين غير مقسمة وأن تخضع المناطق التي يسيطر عليها اليهود للتاج الأردني، وهذا ما تم رفضه من جانب مسز مائير بشكل قاطع. واقترحت بدلاً من هذا العرض الجديد أنه يجب الالتزام بالخطة الخاصة بتقسيم فلسطين. لم ينكر عبد الله اتفاقه معها ولكنه أفاد بأن الموقف قد تغير وأنه الآن غير قادر على الوقوف في وجه أنصار التدخل العسكري في فلسطين وقد حذرت مسز مائير الملك من أن اليهود قد زادوا من قوتهم العسكرية في الشهور الأخيرة بدرجة كبيرة، وأنهم رغم كونهم يرغبون في احترام حدود الأمم المتحدة في حالة التقسيم السلمي، سوف يحاربون في كل مكان وبكل قوتهم في حالة نشوب حرب. وقد حثها الملك على التفكير مرة أخرى في عرضه وأن تتصل به في أي وقت قبل 15 مايو. وقد أخبرته قبل انصرافها بأن عرضه غير مقبول وأنه إذا كان قد تراجع عهد اتفاقهما واختار الحرب فإنهما سوف يلتقيان مرة أخرى بعد الحرب.
وفي 12 مايو تم استدعاء مجلس الدولة المؤقت من أجل إصدار قراره النهائي بشأن قبول أو رفض الاقتراح الأمريكي الخاص بالهدنة وتأجيل إعلان الاستقلال أو تنفيذ الخطة الأصلية الخاصة بإعلان إنشاء الدولة اليهودية فور انتهاء الانتداب البريطاني. وفي هذا الاجتماع أعلنت جولدا مائير عن فشل مهمتها في عمان. وقام موشي شاريت بتوصيل النصيحة التي تلقاها في واشنطن من وزير الخارجية جورج مارشال لتأجيل إعلان الاستقلال وتجنب المواجهة العسكرية مع العرب. وقدم القادة العسكريون تقييماً متشائماً للموقف العسكري وحذروا من أن فرص النصر والهزيمة متعادلة.
وكان هذا التخمين بأن اليهود لديهم فرصة قدرها فقط 50% للبقاء قد اعتمد على افتراض مغزاه أنهم عليهم أن يصمدوا في وجه هجوم كاسح لكل الجيوش العربية بما فيها الفليق العربي في الأردن. وعلى الرغم من مخاطر ذلك، ألقي بن جوريون بكل ثقله باقتراحه المتمثل في الإعلان الفوري للاستقلال، وذلك حتى لا تفوته هذه الفرصة التاريخية. وتم تأييد الاقتراح الخاص برفض الهدنة وإعلان الاستقلال من قبل ستة من أعضاء مجلس الدولة المؤقت ورفضه أربعة من الأعضاء. وتقرر أيضاً، بعد إعلان بن جوريون عن رأيه الصريح، عدم الإشارة إلى حدود الدولة الجديدة في الإعلان الاستقلال وذلك من أجل ترك إمكانية التوسع إلى ما وراء الحدود التي رسمتها الأمم المتحدة مفتوحة. كما تقرر أن اسم الدولة الجديدة يجب أن يكون إسرائيل. وفي الرابعة من بعد ظهر 14 مايو 1948، وأمام حشد كبير من الشخصيات البارزة في متحف تل أبيب، قرأ دافيد بن جوريون إعلان الاستقلال وأعلن قيام الدولة اليهودية في فلسطين والتي أطلق عليها اسم دولة إسرائيل. وتعهد إعلان الاستقلال بأن دولة إسرائيل سوف تقوم على مبادئ الحرية والعدل والسلام كما جاء بها أنبياء إسرائيل، وسوف تحافظ على المساواة الاجتماعية والسياسية الكاملة لكل مواطنيها، بدون تمييز للديانة أو العرق أو الجنس، وسوف تحترم مبادئ ميثاق الأمم المتحدة بكل أمانة. وتعهد بوجه خاص بمنح المواطنين العرب المقيمين في إسرائيل نفس الحقوق ومد الأيدي بالسلام لكل الدول العربية المجاورة.
وفي صدر القاعة الرئيسية تم وضع صورة ثيودور هيرتزل حيث بدا وهو يحدق في القادة المجتمعين لتحقيق حلم الدولة اليهودية التي تحدث عنها منذ خمسين عاماً في المؤتمر الصحفي الصهيوني الأول في بازل. ومنذ البداية، أعرب هيرتزل عن الحاجة إلى دعم إحدى القوى العظمى، وهذه الرؤية أيضاً تحولت إلى حقيقة. وكانت الولايات المتحدة أول دولة تعترف بدولة إسرائيل، حيث كان الرئيس هاري ترومان يتصرف على نحو يناقض نصيحة وزارة الخارجية. وفعل الاتحاد السوفيتي نفس الشيء. وعلى ذلك خرجت إسرائيل إلى الوجود ولديها أبوين روحيين، وهما القوتان العظميات في حقبة ما بعد الحرب واللتين بدأتا في حل محل القوى الأوروبية في الشرق الأوسط.
في يوم 15 مايو قامت الجيوش النظامية لمصر والأردن وسوريا ولبنان والعراق بغزو فلسطين، مدعمة للقوات الفلسطينية غير النظامية وجيش التحرير العربي، والتي كانت ترعاها جامعة الدول العربية. وبذلك تكون إسرائيل قد ولدت في غمرة الحرب. كان الهدف الأول لسياستها الخارجية هو البقاء ولقد تمت إعادة تسمية الهاجاناه وأصبح اسمها جيش الدفاع الإسرائيلي، وتم بعد ذلك حل جماعة أرجون وعصابة شتيرن وانضمت إلى جيش الدفاع الإسرائيلي. كانت حرب استقلال إسرائيل طويلة ومريرة وباهظة التكلفة من حيث الأرواح. سقط فيها ستة آلاف جندي ومدني، وما يوازي 1% من عدد السكان اليهود البالغ عددهم حوالي 650 ألف نسمة. كانت الحرب مقسمة إلى ثلاث جولات تخللها قراران للهدنة من الأمم المتحدة. استمرت الجولة الأولى من 15 مايو وحتى 11 يونيو والثانية من 9 إلى 18 يوليو، أما الثالثة استمرت من أكتوبر وحتى 7 يناير 1949، وإن الرواية الصهيونية التقليدية تصور حرب 1948 على أنها صراع ثنائي بين العدو العربي الموحد الصفوف وإسرائيل البالغة الصغر. وتبعاً لهذه الرواية، قامت سبعة جيوش عربية بغزو فلسطين فور انتهاء الانتداب البريطاني وفي ذهنها هدف واحد خنق الدولة اليهودية في مهدها.
أما الصراع التالي فهو صراع غير متكافئ بين دافيد اليهودي وجولياث العربي. حاربت الدولة اليهودية الوليدة معركة يائسة وبطولية وناجحة من أجل البقاء. وأثناء الحرب فر مئات الألوف من الفلسطينيين إلى الدول العربية المجاورة، في الغالب استجابة لأوامر قادتهم وانتظاراً للعودة المظفرة. وبعد انتهاء الحرب، كما تقول الرواية، سعي القادة الإسرائيليون نحو السلام من كل قلوبهم وبكل الوسائل الممكنة، ولكن لم يجدوا أذاناً صاغية من الجانب الآخر. فالتعنت العربي كان وحجه المسئول عن الجمود السياسي الذي استمر ثلاثة عقود بعد أن صمتت المدافع.
هذه الرواية البطولة الأخلاقية الشائعة لحرب 1948 استخدمت بشكل موسع في الدعاية الإسرائيلية ولإنزال تدرس في المدارس الإسرائيلية. وهي مثال نموذجي على استخدام السرد القومي للتاريخ في عملية بناء الأمة. إن التاريخ – إلى حد كبير – هو الدعاية للمنتصرين، وتاريخ حرب 1948 ليس استثناء لذلك. إن ذلك لا يعني أن الرواية الصهيونية التقليدية للحرب العربية – الإسرائيلية الأولى تقوم على الأساطير وليس على الواقع. على العكس، فهذه الرواية تعتمد بدرجة كبيرة على حقائق تاريخية، ولكنها تفسير انتقائي وذاتي لهذه الحقائق، ولأن هذه الرواية تتوافق إلى حد بعيد مع التجربة الشخصية والمفاهيم الخاصة بالإسرائيليين الذي شهدوا حرب 1948 أثبتت أنها تستعطى على التغيير والتعديل. ومع ذلك بعد إطلاق حرية الإطلاع على الوثائق الرسمية أصبحت هذه الرواية خاضعة للنقد. إن الزعمين الأساسيين المرتبطين بالمرحلة الرسمية لحرب 1948 يتعلقان بالتوازن العسكري العربي – الإسرائيلي وأهداف العرب من الحرب.
عند الحديث عن التوازن العسكري، كان يفترض دائماً أن العرب يتمتعون بتفوق عددي ساحق، وكانت الحرب تصور دائماً على أنها صراع القلة ضد الكثرة، إن بطولة واستبسال المقاتلين اليهود ليست شك. وصحيح أنهم كانت لديهم أسلحة متخلفة، على الأقل حتى إعلان الهدنة الأولى، عندما قبلت صفقة الأسلحة التشيكية غير المشروعة الموازين لصالحهم. ولكن في منتصف مايو 1948 كان العدد الكلي للقوات العربية – النظامية وغير النظامية – في مسرح العمليات بفلسطين 25 ألف مقاتل، بينما زاد عدد جنود جيش الدفاع الإسرائيلي على 35 ألف جندي. وفي منتصف يوليو قام الجيش الإسرائيلي بحشد 65 ألف مقاتل وبحلول شهر ديسمبر بلغ عدد أفراد الجيش الإسرائيلي 96414 جندياً. قامت الدول العربية أيضاً بتدعيم قواتها، ولكنها لم تصل أبداً لهذا المعدل. وعلى ذلك، في كل مرحلة من مراحل الحرب، كان الجيش الإسرائيلي يفوق القوات العربية المحتشدة ضده عدداً، وفي المرحلة النهائية من الحرب كانت نسبة تفوقه بلغت 1:2 تقريباً. وعلى ذلك فإن المحصلة النهائية للحرب لم تكن معجزة ولكنها كانت انعكاساً للتوازن العسكري العربي – الإسرائيلي. وفي هذه الحرب، كما يحدث في معظم الحروب، كانت الغلبة في النهاية للطرف الأقوى. وعند الحديث عن الأهداف العربية للحرب، فإن الجيل القديم من المؤرخين الإسرائيليين كانوا يؤمنون بأن كل القوى المرسلة إلى فلسطين كان يجمعها هدف واحد وهو تدمير الدولة اليهودية الوليدة وإلقاء اليهود في البحر، وقد عبروا بذلك عن الشعور السائد لدى الجانب اليهودي في ذلك الوقت.
الواقع أن الخبراء العسكريين للتحالف العربي وضعوا خطة موحدة للغزو، ولكن الملك عبد الله الذي وضعت في يده سلطة قيادة كل الجيوش العربية في فلسطين خرب هذه الخطة من خلال إدخال تعديلات عليها في الدقيقة الأخيرة. إن هدفه من إرسال جيشه إلى فلسطين لم يكن منع إقامة الدولة اليهودية ولكن أن يصبح حاكماً على الجزء العربي من فلسطين. ولم يكن هناك ود بين الملك عبد الله وبقية الحكام العرب، كانوا مستائين من أطماعه التوسعية ومتشككين في احتمال تعاونه مع العدو. أيضاً كل دولة من الدول العربية كانت تحركها مصالح قومية أو شخصية، كانت تختفي خلف حجة تأمين فلسطين للفلسطينيين. إن عجز العرب عن تنسيق خططهم الدبلوماسية والعسكرية كان مسئولاً بدرجة كبيرة عن الكارثة التي حاقت بهم. وكان قادة إسرائيل على علم بهذه الانقسامات واستغلوها لأقصى مدى ممكن بعد نشوب الحرب الرسمية تماماً كما استغلوها من قبل، إن المرء إذا انحصرت رؤيته فقط في العمليات العسكرية لحرب 1948 – كما فعل ذلك عدد لا يحصى من المؤرخين – فسوف يرى الصورة الشائعة لإسرائيل التي تقف في مواجهة العالم العربي بأكمله. ولكن عندما يسبر المرء غور سياسة الحرب، سوف تتكشف له صورة أكثر تعقيداً. وفي حالة بن جوريون يجب أن يتم فهم أهدافه السياسية لأنها كانت دائماً مختلفة عن أهدافه المعلنة. والحقيقة أن أهدافه السياسية هي التي حددت إلى حد كبير سلوك إسرائيل العسكري أثناء الحرب وحدودها عند انتهاء الحرب.
كان لدى بن جوريون إستراتيجية شاملة، والتي قدمها إلى الأركان العامة للقوات المسلحة في 24 مايو بعد مرور عشرة أيام على إعلان الاستقلال، شدد فيها على عدة نقاط جوهرية. أولاً، أنه لديه ترتيب واضح للأولويات: القدس ثم الجليل في الشمال ثم النقب في الجنوب. ثانياً إنه يفضل إستراتيجية الهجوم على إستراتيجية الدفاع. ثالثاً، إن وسيلته في التعامل مع القوات العربية المعادية، والتي أصبحت بعد ذلك عقيدة ثابتة في مذهب الأمن الإسرائيلي، تتلخص في التقاط العرب دولة بعد أخرى: أي الهجوم على جبهة واحدة في كل مرة والامتناع عن الهجوم على الجبهات الأخرى. رابعاً، رغب في استعراض القوة مع الفليق العربي بالأردن، اعتقاداً منه بأنه إذا تمت هزيمة ذلك الفليق الجبار، فإن كل الجيوش العربية الأخرى سرعان ما يصيبها الانهيار.
في تلك المرحلة المبكرة من الحرب كان هناك خلاف عميق بين بن جوريون وجنرالاته. فقد اعتبر الفليق العربي العدو رقم واحد، بينما كان من رأيهم أن الجيش المصري هو مصدر التهديد الأساسي. وقد أراد حشد الجانب الأكبر من قوات إسرائيل داخل وحول القدس، بينما أرادوا إعطاء الأولوية للجبهة الجنوبية. ومن الواضح أن بن جوريون لم يعتبر نفسه ملزماً بالاتفاق السابق مع عبد الله بمجرد تراجع عبد الله نفسه عن هذا الاتفاق. وعلى أي حال فإن الاتفاق السابق لم يكن يشمل القدس، والتي كانت طبقاً لمشروع الأمم المتحدة من المفترض أن تصبح كياناً منفصلاً خاضعاً لإدارة دولية. وقد بدأت معركة القدس بواسطة هجوم إسرائيلي وذلك قبل أيام قليلة من انتهاء الانتداب البريطاني، وبسبب هذا الهجوم أمر الملك عبد الله الفليق العربي في 17 مايو بالتحرك للدفاع عن المدينة القديمة.
بمجرد توقف الهجوم الإسرائيلي، انتقل محور القتال إلى لا ترون وهي هضبة تمتلئ بالتحصينات تسيطر على الطريق الرئيسي الواصل بين تل أبيب والقدس. وقد خصص مشروع الأمم المتحدة للتقسيم لا ترون للدولة العربية، ولكن أهميتها الإستراتيجية جعلت بن جوريون مصراً على الاستيلاء عليها. وعلى غير رغبة جنرالاته، أصدر أوامره، بالقيام بثلاث هجمات أمامية على اللطرون، وتم صدها جميعاً بواسطة الفليق العربي قبل أن تعلن هدنة الأمم المتحدة نهاية الجولة الأولى من القتال، كانت هذه الهدنة بالنسبة للإسرائيليين حسب كلمات الجنرال موشي كارمل بمثابة "رحمة من السماء". استثمروها في تجنيد المزيد من الجنود وإعادة التدريب وإعادة التنظيم وإعادة التسليح. وقام الكونت فولك برنادوت – وسيط الأمم المتحدة – بتقديم اقتراحات للتسوية في 17 يونيو، ولكنه رفضت من قبل الجانبين. وفي 17 سبتمبر، بعد يوم واحد من إرسال برنادوت لتقريره الثاني إلى الأمم المتحدة، تم اغتياله في القدس على أيدي أعضاء عصابة شتيرون القومية المتطرفة، التي اعتبرت النبيل السويدي عميلاً للحكومة البريطانية. والقيادة الثلاثية التي أمرت باغتيال وسيط الأمم المتحدة كانت تضم إسحاق شامير، رئيس وزراء إسرائيل في وقت لاحق. استمرت عصابة شتيرون ووحدات أرجون في السعي نحو انتهاج سياسات مستقلة في القدس، والتي لم تكن سيادة اليهود أعلنت عليها وقد رفض كلاً التنظيمين الهدنة وخططاً للقتال من أجل إقامة "Free Judea" خارج دولة إسرائيل. ودفع اغتيال برنادوت إلى العدالة.
عندما قامت مصر بخرق الهدنة في 8 يوليو، كان جيش الدفاع الإسرائيلي متأهباً للقيام بهجوم مضاد. وكان الفليق العربي هو الهدف الرئيسي للهجوم المضاد. وكانت عملية داني تهدف إلى التخلص من حاجز ليدا – رامل، الذي كان يهدد الطريق إلى القدس، وتوسيع الممر المؤدي إلى القدس من خلال الاستيلاء على اللطرون ورام الله. وكل هذه الأماكن خصصت في مشروع الأمم المتحدة للدولة العربية وكانت تقع في نطاق المناطق التي يسيطر عليها الفليق العربي. وتم الاستيلاء على ليدا ورامل اللتين تركتا بلا حماية، بواسطة جيش الدفاع الإسرائيلي في 12 يوليو وتم إجبار سكانهما على الفرار وفي اللطرون ورام الله ومدينة القدس القديمة، نجح الفليق العربي في الدفاع عن مواقعه. ومع ذلك لم يحاول الفليق العربي – وهذا أمر له مغزى عميق – الاستيلاء على أي أرض تابعة للدولة اليهودية. وتخلت كل الجيوش العربية الأخرى عن مواقعها لإسرائيل. وحسنت إسرائيل موقفها إلى حد كبير كمحصلة لعشرة أيام من القتال: لقد أخذت زمام المبادرة واحتفظت بها حتى نهاية الحرب.
في النصف الثاني من الحرب، بدأت العلاقة الخاصة بين إسرائيل والأردن تتوطد أواصرها تدريجياً. وفي صيف 1948 بدأت جيوشهما تسترد وعيها، ولكن حتى في ذروة الحرب ظلت الدولتان حسب تعبير أوري بار جوزيف "من أفضل الأعداء". وفي أثناء الحرب واصل الملك عبد الله السعي نحو أهداف محددة ولم يقم بأي محاولة لاختراق أراضي الدولة اليهودية. أما بن جوريون، من جانبه، فإنه لم يحجم عن فعل ذلك، وفي أول جولتين للحرب على الأقل، عمل حسب المثل الشائع "الحرب حرب". ومع ذلك أثناء الهدنة الثانية المطولة كان لديه الوقت الكافي للتفكير في للالتزام بالاتفاق الأصلي لتقسيم فلسطين العربية بين إسرائيل والأردن، وهو اتفاق أظهر عبد الله بشأنه الكثير من الإيماءات التي تشير إلى رغبته في إعادته إلى الحياة.
وفي 26 سبتمبر، اقترح بن جوريون على مجلس الوزراء القيام بهجوم عسكري كبير من أجل الاستيلاء على مساحات واسعة من الضفة الغربية. وفي هذا الوقت كان جيش الدفاع الإسرائيلي لديه القدرة العسكرية التي تمكنه من الاستيلاء على الضفة الغربية بأكملها، وكل ما كان يحتاج إليه هو الأمر بالتحرك. في مجلس الوزراء صوت ستة وزراء لصالح الاقتراح وستة وزراء آخرين ضده، وبذلك تم إلغاء الاقتراح. وصف بن جوريون هذا القرار بأنه سيسبب "الحزن للأجيال القادمة". ولكن من المؤكد أنه واتته أفكار أخرى بشأن مدى عقلانية اقتراحه، لأنه لم يتحدث عنه مرة أخرى، وقد اقترح أولئك الذين يعرفونه عن كثب العديد من الأسباب التي جعلته يحجم عن الإلحاح من أجل الاستيلاء على الضفة الغربية أو جانب كبير منها. أو هذه الأسباب وأهمها، أنه قد خشي التدخل العسكري البريطاني تبعاً لبنود اتفاقية الدفاع المشترك الأنجلو – أردنه. ثانياً، توقع أن سكان الضفة الغربية قد لا يفرون منها وهو لا يسمح بوجود أعداد كبيرة من العرب تزيد عن الحد الضروري داخل حدود الدولة اليهودية. ثالثاً، أدرك أن الاستيلاء على جانب كبير من الضفة الغربية يمكن أن يدمر العلاقة مع الملك عبد الله. وأياً كانت دوافعه، فإن بن جوريون تحمل المسئولية الكاملة عن قراره السياسي بترك كامل الضفة الغربية في أيدي الملك عبد الله. وبعد التخلي عن خطة الهجوم العسكري على الجبهة الشرقية، أبدي بن جوريون اهتماماً متزايداً بفكرة الهجوم على الجيش المصري الذي كان لا يزال يحتل النقب. وفي هذا الوقت بالتحديد تلقت إسرائيل مبادرة سلام من البلاط الملكي المصري الذي كان يعتريه القلق على تخليص نفسه من المستنقع الفلسطيني. التقى كامل رياض مبعوث الملك فاروق، في باريس، مع إلياس ساسون، رئيس قسم الشرق الأوسط بوزارة الخارجية الإسرائيلية وهو يتحدث العربية بطلاقة ومن القادة المعتدلين اقترح رياض اعتراف مصر بإسرائيل في مقابل الاتفاق على ضم قطاع كبير من النقب إلى مصر. وأراد موشي شاريت دراسة مبادرة السلام هذه، ولكن بن جوريون نحاها جانباً. وانقسم مجلس الوزراء إلى فريقين، أحدهما يميل للسلام مع مصر، والآخر – الذي ينتمي إليه بن جوريون – يميل للسلام مع الأردن.
وفي 6 أكتوبر، تقدم بن جوريون باقتراح إلى مجلس الوزراء لاستئناف الحرب ضد مصر، دون أن يشير حتى إلى مبادرة السلام المصرية. بدلاً من ذلك أفاد بأن العلاقات بين الأردن ومصر في غاية التوتر وأن الفليق العربي ليس من المرجح أن يتدخل إذا استأنفت إسرائيل القتال ضد مصر. وفي 15 أكتوبر، خرقت إسرائيل وقف إطلاق النار وبدأت الهجوم على القوات المصرية في الجنوب. وعند وقف إطلاق النار في 7 يناير 1949، كانت النقب بأكملها في حوزة إسرائيل. وخلال الحربي بين إسرائيل ومصر، ظل الفليق العربي على الحياد. وقد خرجت إسرائيل والأردن من الحرب كأحسن ما يكون الأعداء.
إن العلاقة الخاصة بين إسرائيل والملك عبد الله كانت عاملاً جوهراً في تحديد مسار ونتيجة الحرب العربية الإسرائيلية الأولى. وهذا العالم يتم إغفاله بدرجة كبيرة في التأريخ الصهيوني، بسبب أنه لا يتماشى مع الرواية البطولة للحرب التي وقفت فيها إسرائيل الهزيلة وحيدة أمام العالم العربي بأكمله. إن لقاءات عبد الله مع جولدا مائير كانت معروفة على نحو شائع في إسرائيل قبل وقت طويل من إطلاق حرية الإطلاع على المستندات الرسمية. والاتهام المعتاد الموجه إلى الملك عبد الله هو أنه عندما حانت اللحظة تراجع عن اتفاقه وانضم إلى الحشود العربية لتدمير الدولة اليهودية التي لم تشب عن الطوق بعد. ومع ذلك فإن التحليل الأدق لحرب 1948 يميط اللثام عن أن عبد الله قد ظل وفياً لاتفاقه الأصلي مع جولدا مائير على نحو ملحوظ. علاوة على ذلك، تم استغلال العلاقة الخاصة مع عبد الله بواسطة إسرائيل أبشع استغلال وبمهارة فائقة لكسر حصار الدول العربية المعادية، وتعميق الانقسامات في الصف العربي وتقليب الدول العربية على بعضها البعض. وبدون وجود هذه العلاقة الخاصة، لم يكن من المرجح تحقيق ذلك الانتصار الشامل والساحق في أول الحروب العربية الإسرائيلية.
خرجت إسرائيل من الحرب مستنزفة اقتصادياً ولكنها مرتفعة المعنويات وفائقة التنظيم ولديها إحساس هائل بالإنجاز، والتطلع بثقة إلى المستقبل، الأمر الذي شكل قاعدة متينة لازدهار الديمقراطية البرلمانية. وقد أجريت أول انتخابات عامة لانتخاب أعضاء الكنيست أو البرلمان البالغ عددهم 120 عضواً في 25 يناير 1949. وتم تبني نظام التمثيل النسبي، الذي شجع على انتشار الأحزاب الصغيرة وأدى إلى تكوين حكومات ائتلافية لأنه لم يحقق أي حزب من الأحزاب أبداً أغلبية مطلقة. وقد حصل حزب ماباي على 36% من الأصوات، وحزب مابام اليساري على 15%، والحزب الديني المتحد على 12%، وحزب حيروت اليميني على 11.5%، والصهاينة العمومية على 5%، والحزب التقدمي على 4%، والحزب الشيوعية على 3.5% والسفارديم على 3.5%، وبقية الأصوات قسمت على عدد من الأحزاب الأصغر. وبعد الانتخابات، شكل دافيد بن جوريون حكومة ائتلافية تتكون من ماباي والحزب الديني والحزب التقدمي والأحزاب السفاردية (أي اليهود الشرقيون). وقد ظلت المناصب الثلاثة العليا دون تغيير، بن جوريون كرئيس للوزراء ووزيراً للدفاع، وموشي شاريت كوزير للخارجية، وإليعازر كابلان كوزير للمالية.
وعلى ذلك ظل حزب ماباي محتكراً لأنشطة الدفاع والشئون الخارجية، وقد نجح في إقصاء اليسار المتطرف واليمين المتطرف عن السلطة. وباعتباره زعيماً صهيونياً أمريكياً معتدلاً، أشار ناحوم جولدمان في مذكراته إلى أن نصر 1948 العسكري قد أحدث تأثيراً سيكولوجياً في إسرائيل: "لقد بين مدى تميز الفعل المباشر عن التفاوض والدبلوماسية .. جاء النصر بذلك المجد الذي يتناقض مع قرون الاضطهاد والذل، والتكيف والخضوع، إنه يبدو وكأنه يشير إلى الاتجاه الوحيد الذي يمكن المضي فيه من الآن فصاعداً. ألا نحتمل شيئاً، وألا نتسامح في أي هجوم وأن نحل أصعب العقد وأن نصنع التاريخ من خلال جعل الحقائق تبدو بسيطة جداً، وقاهرة جداً، ومرضية جداً، هذا ما أصبحت عليه سياسة إسرائيل في صراعها مع العالم العربي.
لم يظهر الأثر السيكولوجي للانتصار في أي موضوع آخر بهذا الوضوح الذي ظهر به في حالة دافيد بن جوريون. نزع بن جوريون دائماً إلى التفكير في الصراع العربي الإسرائيلي من خلال التوازن العسكري للقوى. وفي عام 1948 كان من الطبيعي أنه يجب أن يركز فقط على الصراع العسكري. ولكن بحلول نهاية عام 1948 كانت انتصارات جيش الدفاع الإسرائيلي تتطلب بعض التخطيط السياسي المستقبلي. وقد أصدر شاريت أوامره لقسم الشرق الأوسط في وزارة الخارجية لكي يستكشف خططاً متعددة من أجل حكومة فلسطينية. أما بن جوريون، على الجانب المقابل، كان يحبط أي تخطيط سياسي من أي نوع ويؤكد على التفوق العسكري لإسرائيل. نتيجة لذلك، فإن عرب إسرائيل زاد لديهم الشعور بالتجاهل والإحباط. ويبدو هذا واضحاً من خلال خطاب تم إرساله في الثاني من نوفمبر 1948 بواسطة ياكوف شيموني، نائب رئيس قسم الشرق الأوسط بوزارة الخارجية، إلى رئيسه إلياس ساسون، والذي كان في باريس في وقت إجراء حوار مع العديد من المسئولين العرب والفلسطيني. وقد شكا شيموني من أن بن جوريون "يسعى إلى حل معظم المشاكل بالوسائل العسكرية، وبهذه الطريقة لا تكون هناك أي قيمة للمفاوضات أو التحركات السياسية".
ولأن هناك جيشاً منتصراً يقف وراءه، لم يتجاهل بن جوريون فقط نصيحة الخبراء السياسيين ولكنه تجاهل أيضاً نداءات الأمم المتحدة لوقف إطلاق النار. ومع نهاية ديسمبر، شن هجوماً ثانياً على الجنوب، فيما سمي بعملية حوريف، بهدف إرغام الجيش المصري على التقهقر إلى الحدود الدولية وقد اخترق جيش الدفاع الإسرائيلي سيناء ووصل إلى ضواحي العريش ولكن الضغط الأمريكي الكثيف أجبره على الانسحاب وترك قطاع غزة في أيدي المصريين. وافق الجانبان على نداء مجلس الأمن بوقف إطلاق النار في 7 يناير 1949 كما وافق على بدء مفاوضات الهدنة.
وأجريت مفاوضات الهدنة بين إسرائيل والدول العربية المجاورة بمساعدة دكتور رالف بانش، بجزيرة رودس في 13 يناير، عينت الأمم المتحدة بانش للعمل كوسيط في فلسطين بعد اغتيال الكونت برنادوت. ومن أجل هذه المهمة الشاقة حشد المسئول الأمريكي الأسود كل مهاراته الدبلوماسية التي سرعان ما أعطيت حق قدرها من خلال منحه جائزة نوبل للسلام. قامت إسرائيل بالتفاوض مع كل دولة عربية على حدة، بادئة بمصر، وأبرمت اتفاقية هدنة منفصلة مع كل منها. ولقد تم توقيع الاتفاقية بين إسرائيل ومصر في فبراير وبين إسرائيل ولبنان في 23 مارس وبين إسرائيل والأردن في 3 إبريل وبين إسرائيل وسوريا في 20 يوليو. وكل مجموعة من المفاوضات كانت لها طبيعة منفصلة، ووضعت لها شروطاً خاصة بها حسب الظروف العسكرية والسياسية للجبهة الخاصة بها. أم الشيء المشترك بين كل المفاوضات في أنها قد أجريت جميعاً تحت رعاية الأمم المتحدة. وبدأت المفاوضات بين إسرائيل ومصر في 13 يناير واستمرت لمدة ستة أسابيع.
إن إسرائيل الثملة بنشوة النصر في الحرب والسيطرة عسكرياً على معظم النقيب ثابت إلى رشدها إلى حد ما من خلال تطبيق قرارات الأمم المتحدة التي جاءت لصالح مصر. واختلف الوفد الإسرائيلي حول بعض الموضوعات التي جاءت في جدول الأعمال: فالممثلون العسكريون بقيادة إيجال يادين قد شعروا أن موقف الحكومة متساهل جداً، بينما الدبلوماسيون بقيادة دكتور وولتر إتيان – المدير العام لوزارة الخارجية – قد حذروا من أن الخط الذي تنتهجه الحكومة ليس مرناً بما يكفي.
وفي يوم 24 فبراير تم توقيع اتفاقية الهدنة التي تنتهي رسمياً حالة الحرب بين إسرائيل ومصر. وكان يجب على كلا الطرفين قطع شوط كبير انطلاقاً من موقفهم الاستهلالي من أجل جعل هذه الاتفاقية ممكنة التنفيذ. وكان على إسرائيل أن توافق على وجود عسكري مصري في قطاع غزة، وأن تكون منطقة الأوجاع منزوعة السلاح. وفي جلسات مباحثات خاصة أخبر اللبنانيون الإسرائيليين بأنهم لا يستطيعون أن يكونوا أول دولة عربية تتفاوض بشكل مباشر مع إسرائيل ولكنهم يتوقعون أن يكونوا هم الدولة الثانية التي تفعل ذلك. قالوا أيضاً بأنهم في الواقع ليسوا عرباً وأنهم قد انجرفوا إلى مغامرة فلسطين رغماً عنهم. وعندما بدأت المحادثات الرسمية، قام جيش الدفاع الإسرائيلي باحتلال شريط ضيق من الأراضي اللبنانية يحتوي على شرط أن ينسحب الجيش السوري بالمثل من قطعة من الأرض لازال يحتلها على الضفة الشرقية لبحر الجليل. وفي النهاية فإن محاولة الربط بين الجبهتين اللبنانية والسورية قد تم التخلي عنها. وكان بن جوريون يؤمن بأنه ليس من المستحب الربط بين بلد عربي وآخر، وأن مصلحة إسرائيل يمكن خدمتها على نحو أفضل من خلال التعامل مع كل بلد عربي على حدة. وقد أدرك أيضاً بأن اتفاقية الهدنة مع لبنان يمكن أن تحسن سمعة إسرائيل العالمية وتضعها في موقف أقوى للتفاوض مع الأردن.
اختلفت مفاوضات الهدنة بين إسرائيل والأردن عن المفاوضات التي سبقتها مع مصر ولبنان والمفاوضات التي سوف تليها مع سوريا. وكانت المفاوضات متأثرة بالسمات الفردية للجبهة الأردنية، وبالسيطرة العراقية على جزء من الجبهة، وبالعلاقات السياسة الخاصة بين الملك عبد الله والدولة اليهودية. وبعد أن امتلك زمام السيطرة العسكرية على الضفة الغربية، ظل عبد الله في حالة زحف مستمر من أجل الضم بلغت ذروتها بصدور قانون الاتحاد في إبريل 1950. وقد أعلن العرب رفضهم سياسته لضم الضفة الغربية مما جعل عبد الله أكثر اعتماداً على حسن نوايا إسرائيل. والواقع، أنه اعتمد على إسرائيل لكي تساعده في حشد التأييد العالمي، وخاصة، التأييد الأمريكي، من أجل دمج باقي فلسطين العربية داخل مملكته، وهذه كانت خلفية تجديد الاتصال المباشر بين الجانبين في خريف 1948. إن القدس، التي تمثل أكثر المناطق تفجراً على طول الجبهة الشرقية، قد مثلت نقطة الانطلاق للمحادثات بين الجانبين. وقد كان بن جوريون متأهباً لتنفيذ وقف إطلاق نار فعلي في القدس من أجل جر عبد الله إلى محادثات شاملة. وفي نوفمبر 1948 تم إجراء اتصال مباشر بين قائدتين عسكريين محليين في القدس وهما المقدم موشي ديان والمقدم عبد الله التل. وقد أدت هذه الاتصالات إلى توقيع "وقف إطلاق نار تام وصادق" في القدس في 30 نوفمبر. وهذه الخطوة من جانب بن جوريون قد مثلت تخلياً كاملاً عن هدف جعل القدس بأكملها خاضعة للسيادة الإسرائيلية ووضع بدلاً منه هدفاً أكثر تواضعاً وهو تقسيم القدس بين إسرائيل والأردن. ولقد بدا هذا التقسيم الاستراتيجي أكثر واقعية في هذا الوقت من أجل تجنب الضغط المستمر من جانب القوى العظمى والأمم المتحدة لتدويل المدينة.
فيما يختص بموضوع الضفة الغربية، انقسمت الآراء. كان إلياس ساسون يؤمن بأن إسرائيل يجب أن تؤيد خطة عبد الله لضمها. أما الخبراء العسكريون فقد اعتبروا أن خط وقف إطلاق النار على الضفة الغربية يتعذر الدفاع عنه وأعربوا عن مخاوفهم من أن التفاوض مع عبد الله يمكن أن يفقد إسرائيل خيارها العسكري. وعلى الرغم من معارضته تقديم الدعم الصريح لضم عبد الله للضفة الغربية، فإن بن جوريون أراد أيضاً وضع نهاية للحرب، وتحدث أمام مجلس الوزراء في 19 ديسمبر قائلاً "ربما يكون الحل الوحيد هو عبد الله". واعترض أعضاء حزب مابام اليساري على الضم وكانوا مازالوا يؤيدون إقامة دولة فلسطينية مستقلة. وقد أصدر مجلس الوزراء قراراً بفتح مفاوضات هدنة مع الأردن، ولكن بدون أي التزام مسبق لدعم خطط الملك التوسعية وبدون التخلي عن إمكانية القيام بعمليات عسكرية.
وعندما بدأت المباحثات المباشرة بين الجانبين في 26 ديسمبر، كان الفليق العربي يسيطر أيضاً على أجزاء من جنوب النقب. وأثناء المباحثات، أصبح من الواضح أن عبد الله لن يكون راغباً في الانسحاب من هذه المواقع. وعلى ذلك قام القادة الإسرائيليون بالتخطيط لعملية عسكرية من أجل إجبار الفليق العربي على التقهقر إلى الجانب الخاص به من الحدود الدولية. لقد كان يحدوهم الأمل في تنفيذ هذه العملية بعد توقيع اتفاقية الهدنة مع مصر وقبل بدء مفاوضات الهدنة مع الأردن. ولأنهم قد جنوا من قبل ثمار الحياد الأردني أثناء الحرب مع مصر، راهن القادة الإسرائيليون على الحياد المصري أثناء الهجوم المخطط على الأردن. ولكن محاولة تأخير بداية المفاوضات مع الأردن لم تكلل بالنجاح.
افتتحت مفاوضات الهدنة الرسمية برئاسة دكتور بانش في 4 مارس 1949 واستمرت لمدة أسبوع. وأراد عبد الله إجراء مفاوضات هدنة حقيقية مع ممثلي إسرائيل بشكل خاص وسري في قصره الشتوي في شونة. وعلى ذلك فقد بعث بضابط جيش صغار إلى المحادثات في رودس، الأم الذي جعل المشهد أشبه ما يكون بمسرح العرائس. وبعد مرور يوم واحد فقط من افتتاح العرض، بدأت إسرائيل عملية أوفدا (الأمر الواقع) من أجل بسط سيطرتها على جنوب النقب، حتى إيلات. وقد ساقت هذه العملية مفاوضات الهدنة إلى أزمة عميقة، ولكن الحقائق التي أوجدتها كان لا يمكن قلبها.
هناك أزمة أخرى حدثت قرب منتصف مارس عندما وافق الأردن والعراق على أن الفليق العربي يجب أن يتولى مسئولية المواقع التي يسيطر عليها الجيش العراقي في القطاع الشمالي من الضفة الغربية. وقد اقتنصت إسرائيل الفرصة بممارسة ضغوط عنيفة على عبد الله من أجل التنازل عن قطاع ضخم من الأرض في منطقة وادي عارة. وقد أصبح واضحاً لعبد الله أن إسرائيل على استعداد تام للجوء إلى القوة العسكرية إذ لم يستجيب لمطالبها، فأذعن مرة أخرى.
تم توقيع اتفاقية الهدنة الإسرائيلية – الأردنية العامة، مصحوبة بالخرائط، في رودس بتاريخ 3 إبريل 1949. وقد تطابقت الحدود في الجنوب مع الحدود الدولية، وعكست الحدود مع العراق تنازلات عبد الله، وفي القدس كانت قائمة على (وقف إطلاق النار التام والصادق) بتاريخ 30 نوفمبر. ومنح البند الثامن السلطة للجنة خاصة، مؤلفة من ممثلي الطرفين للتعامل مع كل المشاكل البارزة، مثل حركة المرور على الطرق الحيوية والوصول إلى الأماكن المقدسة في مدينة القدس القديمة.
مثلت اتفاقية الهدنة مع الأردن انتصاراً عظيماً للدبلوماسية الإسرائيلية. ومصطلح "دبلوماسية الإكراه" يمكن أن يكون أكثر ملائمة، بما أن المفاوضات كانت مصحوبة بالتهديد، والاستخدام الفعلي للقوى العسكرية. هذا الجمع بين الدبلوماسية والقوة قد ضمن لإسرائيل الحصول على مناطق هامة وتحقيق مكاسب إستراتيجية في النقب وفي منطقة وادي عارة. ومن أجل تجنب الصدام العسكري، كن على عبد الله أن ينسحب. ومع ذلك، اعترفت إسرائيل ضمناً من خلال توقيعها لاتفاقية الهدنة، بسيطرته على مساحة كبيرة من الأراضي التي خصصتها الأمم المتحدة للدولة الفلسطينية وقد تم توقيع الاتفاقية باسم المملكة الأردنية الهاشمية، وهذه هي المرة الأولى التي يستخدم فيها هذا الاسم بصفة رسمية.
بذلك أفسحت فلسطين والأردن الطريق لإسرائيل والمملكة الأردنية الهاشمية، وعكست هذه المسميات الجديدة الواقع الجديد. أما فلسطين العربية أو ما تبقى منها فقد عرف رسمياً باسم الأردن الغربية، أو بشكل غير رسمي باسم الضفة الغربية، بينما الأردن السابقة أصبحت تعرف باسم الأردن الشرقية أو الضفة الشرقية. بعد الأردن جاء دور سوريا في التفاوض على الهدنة مع إسرائيل ومن بين كل الدول العربية أثبتت سوريا أنه الدولة الأكثر صلابة والمستعصية على الكسر. وكانت مفاوضتها هي الأكثر طولاً، حيث استمرت من 5 إبريل وحتى 20 يوليو. وفي أثناء القتال، أقامت القوات السورية عدداً من رؤوس الكباري على الأراضي السورية، شمال وجنوب بحر الجليل، وقد باءت كل محاولات جيش الدفاع الإسرائيلي لإرغامها على التقهقر إلى الحدود الدولية بالفشل. وبذلك فإن إسرائيل كانت في موقف عسكري ضعيف عند بدء المحاولات، ولكن موقفها الدولي كان قوياً بسبب اتفاقيات الهدنة الثلاثة التي أبرمتها بالفعل تحت رعاية الأمم المتحدة ومن خلال قبولها كعضو في الأمم المتحدة. كانت سوريا في موقف عسكري قوي ولكنها كانت غير مستقلة داخلياً. وفي 30 مارس، قبل أقل من أسبوع بدء مباحثات الهدنة، قام الكولونيل حسني الزعيم قائد الأركان بالإطاحة بالنظام الحاكم في سوريا من خلال انقلاب سلمي، وقد أدى هذا الانقلاب إلى تهيئة الساحة لتدخل العسكريين في السياسة العربية والانقلاب على النظام القديم الذي اعتبر مسئولاً عن ضياع فلسطين. وعلى الرغم من أن الزعيم وعد شركاءه بقتال الصهيونية حتى النهاية، فإنه بمجرد استيلائه على السلطة لم يأل جهداً في محاولة الوصول إلى سلام مع إسرائيل. وقد أعلن على رؤوس الأشهاد عن أمله في أن يكون أول زعيم عربي يعقد اتفاقية سلام مع إسرائيل وأعرب مراراً عن رغبته في لقاء بن جوريون لكي يعملان معاً على الوصول إلى هذه الغاية. وقد انتهت المرحلة الأولى من مفاوضات الهدنة بالجمود التام لأن المواقف الافتتاحية لإسرائيل وسوريا كانت تفصل بينها هوة واسعة، ولم يكن أياً منهما لديه أي استعداد للتزحزح قيد أنملة.
أصرت إسرائيل على وجوب حدوث انسحاب سوري غير مشروط إلى الحدود الدولية، بينما أصرت سوريا على أن خط وقف إطلاق النار الحالي يجب أن يصبح هو الحدود الجديدة ومن أجل كسر هذا الجمود، تقدم الزعيم باقتراح بالغ الجرأة التهور. أراد تخطي مباحثات الهدنة تماماً والانتقال مباشرة إلى عقد اتفاقية سلام، مع تبادل السفراء، وفتح الحدود، وإقامة علاقات اقتصادية طبيعية، وكحافز إضافي، عرض الزعيم – في سياق التسوية الشاملة – توطين 300 ألف لاجئ فلسطيني، أي مات يقرب من نصف عددهم الكلي في شمال سوريا. وكان لدى سوريا في هذا الوقت 100 ألف لاجئ، وبذلك فإن العرض قد تضمن التوطين الدائم في سوريا لمائتي ألف لاجئ إضافي موجودين في دول عربية أخرى. وفي المقابل طلب تعديل الحدود الدولية لإعطاء سوريا نصف بحر الجليل. وقد عرض الزعيم أيضاً اللقاء مع بن جوريون وجهاً لوجه من أجل الخروج من مأزق المباحثات ذات مستوى التمثيل المنخفض. وقد رفض بن جوريون عرض الزعيم قلباً وقالباً وبعد ذلك أصدر أوامره لممثلي إسرائيل بأن يخبروا السوريين بشكل قاطع بأن عليهم أولاً التوقيع على اتفاقية هدنة بناء على الحدود الدولية القديمة وحينئذ فقط يمكن أن تكون إسرائيل مستعدة لمناقشة السلام والتعاون. وقد واصل بن جوريون المراجعة المستمرة والنشطة لخطط عسكرية تهدف إلى طرد القوات السورية من مواقعها على الجانب الإسرائيلي للحدود الدولية، وبسبب عدم تحقيق أي تقدم تم تعليق مفاوضات الهدنة في 17 مايو. كانت خطوة الزعيم التالية هي التقدم بعرض سري إلى إسرائيل من خلال الأمم المتحدة اشتمل على العناصر التالية: وقف إطلاق نار قائم على الخطوط العسكرية الحالية وتسوية سلام في غضون ثلاثة شهور بناء على الحدود الدولية القديمة وتوطين 300 ألف لاجئ فلسطيني في سوريا. وتم إسقاط المطلب الخاص بإعادة ترسيم الحدود الدولية. وقد علق موشي شاريت – الذي قام بإبلاغ مجلس الوزراء بهذا التطور في 24 مايو – أهمية كبرى على عرض الزعيم، وخاصة اقتراح توطين 300 ألف لاجئ، وشدد على رغبته في عقد لقاء عالي المستوى مع الزعيم. من ناحية أخرى، أعرب بن جوريون عن تشككه في أن يكون ذلك مصيدة دبلوماسية وأصر على رفضه الالتقاء بالزعيم وقرأ بن جوريون على مجلس الوزراء رده على بانش الذي حثه على إجابة مطالب الزعيم للالتقاء به. وتضمن الرد استعداد بن جوريون للالتقاء بالكولونيل الزعيم من أجل تشجيع السلام ولكنه لا يرى أي جدوى من هذا اللقاء حتى يعلن ممثلو سوريا في مباحثات الهدنة بوضوح تام عن استعدادهم للانسحاب إلى خطوط ما قبل الحرب.
حينئذ أخذ بانش زمام المبادرة باقتراح حل وسط أرضى الطرفين. تلخص مشروعه في نزع السلاح، بالمنطقة التي تقع بين الحدود الدولية وخطوط وقف إطلاق النار وذلك بعد انسحاب القوات السورية من مواقعها الأمامية. عوض هذا الاقتراح سوريا عن القيام بانسحاب كامل بينما حرر إسرائيل من وجود قوات سورية على أرضيها، كانت هذه الصيغة للتسوية معقدة وغامضة فيما يتعلق بكثير من القضايا الهامة مثل وضع المناطق المنزوعة السلاح، والتي سوف تكون مصدراً لنزاعات وصدامات لا تنتهي في الأعوام القادمة. ولكن هذا الاقتراح مكن إسرائيل وسوريا في النهاية من توقيع اتفاقية هدنة في يوم 20 يوليو. وبعد مرور ثلاثة أسابيع تمت الإطاحة بحسني الزعيم في انقلاب عسكري دموي. ومع إبرام الاتفاقية بين إسرائيل وسوريا في 20 يوليو، اكتملت مفاوضات الهدنة برودس. وانتهت أول حرب عربية – إسرائيلية رسمياً. وفي أثناء الحرب، قامت إسرائيل بتوسيع أراضيها من 55% من فلسطين الواقعة تحت الانتداب، وهي النسبة التي خصصت لها بواسطة الأمم المتحدة إلى 79%. ونجحت إسرائيل في طرد كل القوات العربية من فلسطين باستثناء الفليق العربي، والذي ظل مسيطراً على الضفة الغربية وقضي ذلك على مشروع الأمم المتحدة الخاص بالدولة الفلسطينية المستقلة. وترك الفلسطينيون في العراء. وتم محو اسم فلسطين من عللا الخريطة (أنظر الخريطة رقم 4). ومما يثير الهشة، أن تسوية ما بعد الحرب قامت على نفس القاعدة التي اتفق عليها الملك عبد الله وجولدا مائير في نوفمبر 1947 ألا وهي تقسيم فلسطين على حساب الفلسطينيين. إنه مثال صارخ على النهج السياسي الواقعي المتلبد الشعور الذي ساد المسلك الإسرائيلي أثناء الحرب العربية الإسرائيلية الأولى.
كان الهدف من اتفاقيات الهدنة أن تكون بمثابة خطوات على طريق السلام، وجاء في المقدمة الموحدة لاتفاقيات الهدنة الأربعة أن هدفها هو "تسهيل الانتقال من الهدنة الحالية إلى السلام الدائم في فلسطين". ومع ذلك لم يحدث في أي حالة من الحالات أن تحولت اتفاقية الهدنة إلى أداة للوصول إلى تسوية سلام رسمية. لماذا لم تحدث تسوية سياسية بين إسرائيل وجيرانها بعد أن هدأت المدافع؟ لماذا أثبت السلام أنه بهذا القدر من المراوغة؟ هذا أحد الموضوعات الأكثر إثارة للجدل المستمر حول 1948.
إن الإجابة الصهيونية التقليدية يمكن تلخيصها في كلمتين: تعنت العرب. وتبعاً لهذه الرواية، كافح قادة إسرائيل بلا هوادة من أجل التوصل إلى تسوية سلمية للصراع بعد محنة 1948 المروعة، ولكن كل جهودهم تحطمت على صخرة التعنت العربي. أي أن قادة إسرائيل كانوا متلهفين على تحقيق السلام، ولكنهم لم يجدوا أذاناً صاغية من الجانب الآخر. هذا الحائط المنيع من العداء العربي لم يترك لهم أي خيار ولم يمنحهم أي سبيل للوصول إلى السلام. أما المؤرخون الإسرائيليون الجدد (أو أصحاب الصياغة الجديدة للتاريخ)، على الجانب الآخر، فيؤمنون بأن إسرائيل ما بعد الحرب كانت أكثر تعنتاً من الدول العربية، ولذلك فإنها تتحمل قدراً من المسئولية عن الجمود السياسي الذي تلي الانتهاء الرسمي لأعمال الحرب وتجئ في قلب الرؤية الجديدة للأحداث مقولة تعدد الخيارات، حيث توجد خيارات سياسية فعلية أمام إسرائيل فيما يتعلق بالعلاقات المستقبلية مع العرب. والسؤال الحقيقي الذي يواجه إسرائيل في تلك المرحلة الحرجة من تاريخها ليس هل السلام مع العرب ممكناً أن لا ولكن ما هو ثمن السلام.
إن الدلائل على صحة تفسير المؤرخين الجدد تأتي في الأساس من مصادر إسرائيلية رسمية. فملفات وزارة الخارجية الإسرائيلية، على سبيل المثال، تكتظ بالمستندات التي تدل على مبادرات السلام العربية واستعداد العرب للتفاوض مع إسرائيل منذ 1948 وحتى الآن. وكان الموضوعان الأساسيان في النزاع هما اللاجئون والحدود. وكل دولة من الدول العربية المجاورة كانت على استعداد للتفاوض المباشر مع إسرائيل والتفاهم حول الحدود. فيما يتعلق بالموضوع الجوهري الآخر، وهو موضوع اللاجئين، كان لدى الدول العربية منفردة حرية أقل في اتخذا القرار. فقد كان هناك موقف عربي موحد وواضح، يلزم كل أعضاء الجامعة العربية والموقف يتلخص في أن إسرائيل وحدها هي التي خلقت مشكلة اللاجئين ويجب عليها ألا تتملص من مسئوليتها في حل هذه المشكلة. ولذلك فإن الحل كان يجب أن يكون عبر قرارات الأمم المتحدة التي أعطت اللاجئون نفسهم حق الاختيار بين العودة إلى ديارهم أو الحصول على تعويضات عن ممتلكاتهم من إسرائيل. وقد سمح الموقف الموحد للدول العربية المنفردة أن تتعاون مع وكالة الأمم المتحدة للغوث والرعاية (UNRWA) لفلسطين والشرق الأوسط، ولكن على شرط ألا يفرط هذا التعاون في الحقوق الأساسية للاجئين. إن موقف إسرائيل من مشكلة اللاجئين الفلسطينيين كان متناقضاً تماماً مع موقف الجامعة العربية. فقد زعمت إسرائيل أن العرب خلقوا المشكلة من خلال أبدأ بالحرب وأن إسرائيل غير مسئولة بأي شكل من الأشكال. ولذلك فإنها لم تقبل قرارات الأمم المتحدة التي أعطت اللاجئين حق العودة، أو حق التعويض. كانت إسرائيل مستعدة للتعاون مع الوكالات الدولية بحثاً عن حل لمشكلة اللاجئين، ولكن على شرط أن تتم إعادة توطين الغالبية العظمى منهم خارج حدودها وفي الحرب الدعائية المصاحبة للصراع، كرر المتحدثون بلسان إسرائيل اتهامهم للحكومات العربية بأنه لم تكن مهتمة بحل مشكلة اللاجئين، لكنها ترمي فقط إلى تحقيق مكاسب سياسية من وراء ذلك.
هذا الاتهام يحمل قدراً من الحقيقة، فبعد أن خسرت الحرب، استخدمت الحكومات العربية أي سلاح في متناول يدها لمواصلة الكفاح ضد إسرائيل، وكانت مشكلة اللاجئين بوجه خاص سلاحاً ماضياً لوضع إسرائيل في قفص الاتهام أمام محكمة الرأي العام العالمي. من ناحية أخرى، لم يكن الموقف الجماعي لجامعة الدول العربية قائماً على المكاسب السياسية ولكن كلن قائماً على المبدأ. وكل حكومة عربية كانت لديها سياستها الخاصة تجاه معيشة اللاجئين على أرضيها. فالحكومة الأردنية كانت تنتهج سياسة إعادة تأهيل اللاجئين على أراضيها وإعطائهم الجنسية الأردنية ودمجهم داخل الدولة. أما الحكومة المصرية، على النقيض، فلم تقدم الكثير لما يتراوح بين 200 ألف إلى 300 لاجئ كانوا يعيشون في قطاع غزة، ورفضت إعطاءهم الجنسية المصرية. ولكن لم تشعر أي حكومة عربية أنها تملك حرية المضي قدماً نحو عقد سلام شامل مع إسرائيل والإغفال الكامل لحقوق اللاجئين الفلسطينيين.
إن الموقف العربي الموحد إزاء مشكلة اللاجئين كان أحد عوائق عقد أي سلام مع إسرائيل، والرأي العام العربي كان عائقاً آخر. ومن المهم التمييز في هذا السياق بين الشعوب العربية والحكام العرب. فالبعض والعداء على المستوى تجاه الدولة اليهودية فاق الحدود بعد ضياع فلسطين والمرور بتجربة الهزيمة العسكرية الأليمة. أما الحكام العرب، على الجانب الآخر، فقد أظهروا مسلكاً نفعياً ملحوظاً في أعقاب هذه الأحداث. والواقع أنهم بعد أن استوعبوا تجربة الهزيمة العسكرية على أيدي الدولة اليهودية التي لم تشب عن الطوق، أصبحوا أكثر استعداداً للاعتراف بإسرائيل والتفاوض المباشر معها بل حتى إبرام معاهدة سلام. وكان كل حاكم من أولئك الحكام يمتلك الثمن الإقليمي المطلوب لصنع السلام مع إسرائيل، ولكنهم جميعاً رفضوا ذلك.
على الجانب الإسرائيلي، أدت القوة العسكرية إلى توسيع هامش الخيار السياسي. ونصل هنا إلى الشخصية المهيمنة على صنع القرار والمتمثلة في رئيس الوزراء، وذلك بحكم منصبه وحكم شخصيته. كان بن جوريون في السلم وفي الحرب على حد سواء قابضاً بقوة على عملية صياغة السياسة المتبعة. فهو لم يشجع النقاش في حزب ماباي ولا في الحكومة ذات الاختيارات السياسية المتعددة المتاحة لإسرائيل في نهاية حرب الاستقلال. كما أنه لم يرغب في عرض الاتجاهات المختلفة للآراء حول قضايا مصر والفلسطينيين والأردن. وقد نجح إلى حد بعيد في الحفاظ على احتكاره لصنع السياسة العليا في دائرة الدفاع والشئون الخارجية. وكان هو الذي يقوم في أغلب الأحوال بتحديد الاستراتيجيات الأساسية لإسرائيل والأولويات القومية في نهاية الحرب. وبينما وساعدت الصلاحيات التنظيمية التي يتمتع بها رئيس الوزراء بن جوريون على القبض بقوة على دفة توجيه السياسات المتعلقة بالعرب، فالحقيقة الأكثر أهمية تكمن في أنه كان ينتهج سياسة يتفق معه فيها معظم المنتمين للصفوة الإسرائيلية، وخصوصاً العسكريين.
كان بن جوريون يعتبر السلام مع العرب شيئاً مطلوباً، ولكنه لم يكن يمثل له أولوية أساسية في ذلك الوقت على وجه الخصوص. فقد كانت أولوياته الأولى هي بناء الدولة والهجرة الواسعة النطاق إلى إسرائيل والتنمية الاقتصادية وإرساء قواعد استقلال إسرائيل الحديث العهد. وكان يؤمن بأن اتفاقيات الهدنة تفي باحتياجات إسرائيل الأساسية من حيث الاعتراف الخارجي بها والأمن والاستقرار. وقد أدرك أنه من أجل الوصول إلى اتفاقيات سلام يعتمد عليه يجب على إسرائيل أن تدفع الثمن من خلال التنازل عن أراض لجيرانها ومن خلال الموافقة على عودة عدد كبير من اللاجئين الفلسطينيين، وهو لا يعتقد أن ما سوف يأخذه يساوي الثمن الذي سوف يدفعه. ومن حيث كون اختياره صحيحاً أم غير ذلك، فهذا ما تختلف بشأنه الآراء. وقد كان لديه خيار لا ينازعه فيه أحد.
وعلى ذلك فإن أحد العوامل الهامة التي ساهمت في فشل الانتقال من اتفاقيات الهدنة إلى اتفاقيات السلام كان عدم مرونة بن جوريون. كما أن السبب في عدم مرونته كان يكمن في اعتقاده أن الوقت في صالح إسرائيل. وفي يوم 29 مارس 1949 قام برشح وجهة نظره لمجلس الوزراء. وقد مهد لكلمته من خلال الإشارة إلى أن الفشل في التوصل إلى سلام رسمي مع العرب لا يجب النظر إليه على أنه كارثة كبرى: "فبالنسبة لكل القضايا الكبرى، الوقت يعمل لصالح إسرائيل: الحدود واللاجئون والقدس. ومع مرور الوقت، سوف يعتاد العالم على حدود إسرائيل الموجودة وينسى حدود الأمم المتحدة وفكرة الأمم المتحدة وعن الدولة الفلسطينية المستقلة. بالمثل، فيما يتعلق باللاجئين الفلسطينيين فإن موقف إسرائيل في تحسن مستمر بالرغم من الضغوط التي تمارسها الأمم المتحدة من أجل السماح لهم بالعودة. ونفس الشيء ينطبق على القدس، فالشعب قد بدأ الاعتياد على الوضع الحالي وبدأ يدرك مدى سخافة فكرة إقامة نظام عالمي على حين غرة لإدارة المدينة" وتطرق بن جوريون إلى موضوع المحادثات الثنائية قائلاً: "من الصواب ألا تمنعنا هذه الأشياء عن دفع عجلة السلام، لأن موضوع السلام مع العرب هو موضوع هام، كما أنه باهظ الثمن. ولكن عندما توضع العراقيل سوف نجني الثمار، كما ساعدنا المفتي في الماضي". ثم واصل بن جوريون حديثه قائلاً: "فقط في حالة مصر، يجب أن بذل جهود جادة لإقرار السلام. فهناك أسباب كثيرة تدعونا لذلك، منها عدم وجود تعارض موضوعي في المصالح بين مصر وإسرائيل، كما أن هناك صحراء كبيرة تفصل بينهما، ومصر هي الدولة الوحيدة في العالم العربي التي تعتبر دولة بحق، كما أنها ذات شعب له ثقله. إنها دولة كبيرة. فإذا استطعنا التوصل إلى إبرام سلام معها فربما يكون ذلك فتحاً هائلاً لنا".
يكشف ذلك بوضوح عن أنه حتى عندما تحدث بن جوريون عن السلام فإنه قد استخدم مصطلحاً عسكرياً وهو الفتح. على أي حال فإن خاتمة حديثه واضحة بما فيه الكفاية: "ولكن بشكل عام يجب علينا ألا نأسف كثيراً إذا رفض العرب السلام". أما موسى شاريت فقد كان أكثر التزاماً بالسعي الجاد للتوصل إلى سلام لأنه أدرك أن إسرائيل – على المدى البعيد – لن تستطيع أن تحيا في عزلة تامة، كما أنها لن تستطيع تجاهل المكاسب الاقتصادية المتعددة التي يمكن أن يأتي بها السلام وحده. وقد اتفق بن جوريون مع أبا إيبان، الذي كان يشغل منصب سفير إسرائيل في الولايات المتحدة ومندوبها بالأمم المتحدة في نفس الوقت، على أن اتفاقيات الهدنة كافية تماماً، وأن تعجل إسرائيل السلام يمكن أن يشجع العرب على توقع تقديمها تنازلات فيما يتعلق بالحدود واللاجئين، ولذلك قد يكون من الأفضل الانتظار بضع سنوات، لأنه سوف تكون هناك فرص سانحة دائماً للتباحث مع القادة العرب.
وفي لقاء مع كنيث بيلبي، مراسل صحيفة نيويورك هيرالد تريبيون، لخص بن جوريون موقفه المتناقض بقوله: "إنني على استعداد تام للاستيقاظ في منتصف الليل لتوقيع اتفاقية سلام، ولكنني لست في عجلة من أمري وأستطيع الانتظار عشر سنوات. إننا لسنا واقعين تحت ضغط من أي نوع".
إن رد بن جوريون على مبادرات السلام العربية يجب النظر إليه على ضوء اقتناعه بأن موقف إسرائيل التفاوضي يمكن أن يتحسن مع مرور الوقت. وهذا هو سبب رفضه لمبادرة السلام التي تقدم بها مبعوث الملك فاروق في أواخر سبتمبر 1948 واقتراح سلام حسني الزعيم في ربيع 1949 فقد كان الزعيم تواقاً إلى حوار مباشر على مستوى القمة، ولكن لم تكن هناك أذن صاغية. رفض بن جوريون كل دعوات التفاوض، وفي النهاية تسرب الوقت من بين يديه. بالطبع لم تكن هناك وسيلة لمعرفة ماذا سوف يحدث لو استمر الزعيم فترة أطول في السلطة، ولكن أثناء فترة حكمه القصيرة، منح إسرائيل فرصة ثمينة للتخلي عن عدة الحرب وإرساء دعائم التعايش السلمي فعندما ترفض مبادراته بازدراء ولا توضع مقترحاته البناءة موضع الاعتبار وتضيع الفرصة السانحة لتحقيق إنجاز عظيم، فإن مسئولية ذلك لا تقع على عاتق الزعيم ولكنها تقع على عاتق إسرائيل. وهذه المسئولية يمكن أن تعود مباشرة إلى مدرسة كاملة للفكر، تلك المدرسة التي كان بن جوريون أقوى دعائمها، والتي كانت تؤمن بأن الوقت إلى جانب إسرائيل، وأن إسرائيل تستطيع المضي قدماً بلا سلام مع الدول العربية وبدون حل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين.

الحائط الحديدي بين العرب وإسرائيل مقدمة

الحائط الحديدي بين العرب وإسرائيل
تأليف: آفي شليم
ترجمة: ناصر عفيفي
في عام 1907 قام إسحاق إبشتاين، وهو مدرس روسي المولد كان مقيماً بفلسطين، بنشر مقال بعنوان "سؤال مستتر" وذلك في المطبوعة العبرية المسماة "هاشلوحاه". وتضمن موضوع المقال موقف اليهود من عرب فلسطين. كتب إبشتاين يقول "ضمن الأسئلة الخطيرة المثارة حول مفهوم نهضة شعبنا على وطنه الخاص، هناك سؤال أكثر أهمية من كل الأسئلة الأخرى مجتمعة، وهذا السؤال يدور حول علاقتنا بالعرب". وأضاف قائلاً" هذا السؤال لم ينس ولكنه ظل خافياً تماماً عن الصهاينة ولم يطرح بصيغته الحقيقية في كل الكتابات التي تناولت حركتنا". ولم يلق معظم معاصري إبشتاين من الصهاينة بالاً إلى ما يقلقه. ولكن ها هو السؤال المستتر يعود مرة أخرى ليراود الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل عبر الخمسين عاماً الأولى من وجودها.
كان هدف الحركة الصهيونية، التي ظهرت في أوروبا في العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر، إعادة بعث الشعب اليهودي على أرض أجداده بعد ما يقرب من ألفي عام من النفي. ولقد تمت صياغة مصطلح "الصهيونية" في عام 1885 بواسطة الكاتب النمساوي اليهودي ناثان بيرنباوم، حيث أن كلمة "صهيون" هي أحد الأسماء الواردة في التوراة لمدينة القدس.
والصهيونية كانت في جوهرها حلاً للمشكلة اليهودية التي نشأت من حقيقتين أساسيتين: أن اليهود كانوا مشتتين في مختلف بلدان العالم، ويمثلون أقلية في كل بلد من هذه البلدان. وكان على الحل الصهيوني أن يضع حداً لهذا الاغتراب والاعتماد على الآخرين، والعودة إلى صهيون، لتكوين أغلبية، وفي النهاية الوصول إلى الاستقلال السياسي وبناء الدولة.
ومنذ تدمير المعبد الأول في عام 586 قبل الميلاد والنفي إلى مدينة بابل، واليهود يتحرقون شوقاً للعودة إلى صهيون. وقد تجلى هذا الحنين في الصلوات اليهودية وعبر عن نفسه في عدد من الحركات التبشيرية. أما الصهيونية المعاصرة، على النقيض من ذلك، فقد كانت حركة علمانية ذات توجه سياسي نحو فلسطين. وكانت الصهيونية المعاصرة إحدى ظواهر أوروبا أواخر القرن التاسع عشر. وكانت تستمد جذورها من فشل المحاولات اليهودية في الذوبان في المجتمع الغربي وزيادة العداء للسامية في أوروبا ومن تصاعد الوعي القومي الأمر الذي كان موازياً وغير منفصل عن بقية الأحداث. وإذا كان تنامي الشعور بالقومية قد شكل مشكلة لليهود من خلال تصنيفهم على أنهم أقلية غريبة وغير مرغوب فيها، فإنه قد اقترح أيضاً حلاً لهم ألا وهو حق اليهود في أن تكون لهم دولتهم الخاصة التي يمكن أن يمثلون فيها أغلبية. ومع ذلك، شكلت الصهيونية حافزاً لإنشاء ليس فقط دولة يهودية في فلسطين ولكن أيضاً مجتمعاً جديداً يقوم على المبادئ العالمية من حرية وديمقراطية وعدالة اجتماعية.
والأب الروحي للصهيونية السياسية ومهندس الدولة اليهودية هو ثيودور هرتزل (1860-1904) ذلك اليهودي الذي ولد في المجر وكان يعمل صحفياً وكاتباً مسرحياً في فيينا عاصمة الإمبراطورية النمساوية المجرية. وكان هرتزل يهودياً ذائباً في المجتمع الذي يعيش فيه وليس لديه اهتمام خاص بالديانة اليهودية أو الشئون اليهودية. وقد أدى الجو المسمم المعادي للسامية الذي كان يحيط بفضيحة درايفوس في أوائل تسعينيات القرن التاسع عشر والتي قام بتغطيتها بصفته مراسلاً صحفياً في باريس لإحدى الجرائد اليومية بفيينا إلى إيقاظ وعيه بالمشكلة اليهودية. فقد توصل إلى أن الذوبان في المجتمع والانفلات من أسر العزلة لن يوجد الحل، لأن اليهود يشكلون قومية واحدة. فلم تكن مشكلتهم اقتصادية أو اجتماعية أو دينية ولكنها مشكلة قومية.
وبالتالي وبناء على كل ما تقدم يكون الحل الوحيد للمشكلة اليهودية مغادرة المنفى والحصول على وطن يمارسون فيه السيادة على أرضه ويقيمون دولتهم.
هذا هو الحل الذي دافع عنه هرتزل في كتابه الصغير الشهير الذي نشره عام 1896 باسم "الدولة اليهودية". لقد أصر على أن اليهود ليسوا مجرد جماعة دينية ولكنهم أمة حقيقية تنتظر الميلاد. وقدم الكتاب خطة مبدئية مفصلة للدولة اليهودية ولكنه ترك السؤال الخاص بما إذا كان يجب أن يكون موقع هذه الدولة هو فلسكين – بسبب ارتباطاتها التاريخية – أو في بعض الأراضي الخالية بالأرجنتين مثلاً. ويعتبر نشر كتاب الدولة اليهودية علامة فاصلة تشير إلى بداية تاريخ الحركة الصهيونية.
فقد ارتبط اسم المؤلف على نحو وثيق بالصهيونية السياسية، باعتبار أن المشكلة اليهودية هي مشكلة سياسية ذات تشعبات عالمية وأنها تحتاج إلى أن تناقش في منتدى السياسة الدولية. وكان هذا مناقضاً للصهيونية العملية المتمثلة في حركة "محبي صهيون" التي بدأت عام 1881 في عدد من المدن الروسية، في جو من الاضطهاد والمذابح في تشجيع الهجرة والاستيطان في فلسطين. وقد أدى أيضاً نشر كتاب الدولة اليهودية إلى رفع هرتزل إلى مرتبة الزعامة في الشئون اليهودية، تلك المنزلة التي ظل ينعم بها حتى وفاته عام 1904.
على نحو يتوافق مع توجهه السياسي الواضح، قام هرتزل بعقد المؤتمر الصهيوني الأول في عام 1897 بمدينة بازل بسويسرا. وكان من المقرر أن يعقد المؤتمر في ميونخ بسبب احتوائها على مطاعم تقدم الطعام الديني اليهودي "الكوشير". ولكن زعماء الجالية اليهودية بميونخ قد أحجموا عن استضافة المؤتمر، بحجة عدم وجود مشكلة يهودية وأن عقد المؤتمر يمكن أن يوفر الوقود اللازم للحركات المعادية للسامية. وقد نص برنامج المؤتمر على أن "هدف الصهيونية" هو إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين يحميه القانون العام.
ومن خلال تبني هذا البرنامج اعتمد المؤتمر مفهوم هرتزل السياسي للصهيونية. وقد تعمد برنامج مؤتمر بازل الحديث عن وطن وليس دولة للشعب اليهودي، ولكن من الآن فصاعداً أصبح الهدف الواضح والمتجدد للحركة الصهيونية إنشاء دولة للشعب اليهودي في فلسطين. وقد كتب هرتزل في مذكراته يقول "لقد وضعت أسس الدولة اليهودية في بازل. فإذا قلت ذلك اليوم بصوت مرتفع، فإنني قد أجابه بسخرية العالم. ولكن في غضون خمسة أعوام على وجه التقريب وفي غضون خمسين عاماً على وجه التأكيد، سوف يراها الجميع رؤية العين".
وقد فجر نشر كتاب الدولة اليهودية العديد من ردود الأفعال في المجتمع اليهودي، بعضها ودود وبعضها عدواني وبعضها يدعو إلى الشك. وبعد مؤتمر بازل قرر حاخامات فينا سبر غور أفكار هرتزل وأرسلوا مندوبين عنهم إلى فلسطين. هذه المهمة الخاصة بتقصي الحقائق قد انتهت ببرقية أرسلت من فلسطين كتب فيها الحاخامان "العروس جميلة، ولكنها متزوجة من رجل آخر".
لخصت هذه البرقية المشكلة التي كان يجب على الحركة الصهيونية أن تضع يدها عليها منذ البداية، ألا وهي مشكلة السكان العرب الذين يعيشون بالفعل على الأرض التي تتعلق بها قلوب اليهود، وكانت وجهة النظر السائدة تقول بأن الحركة الصهيونية، باستثناء القليل من الجماعات الهامشية، قد نزعت إلى تجاهل العرب الذين يعيشون في فلسطين وشكلوا ما أصبح يعرف باسم المشكلة العربية، ويضيف بعض النقاد أن ذلك التجاهل للسكان العرب من جانب الصهاينة هو الذي أطاح بإمكانية التفاهم بين الحركتين القوميتين اللتين تدعيان أن فلسطين هي وطنهما الأم.
والحقيقة أن الغالبية العظمى من الصهاينة الأول قد أظهروا على نحو يثير الدهشة القليل من الاهتمام بأرض فلسطين. والحقيقة أيضاً أن الشغل الشاغل لأولئك الصهاينة لم يكن واقع فلسطين بقدر ما كان المشكلة اليهودية والارتباط اليهودي بهذا البلد، ومع ذلك ليس صحيحاً أن نقول أن الصهاينة كانوا يجهلون وجود السكان العرب في فلسطين أو احتمال معاداة هؤلاء السكان للمشروع الصهيوني. وعلى الرغم من وعيهم بالمشكلة، فقد قللوا من خطورتها وعقدوا الآمال على أن الحل سوف يجئ من تلقاء نفسه.
لقد قام هرتزل نفسه باختبار النزعة الصهيونية للانغماس في تفكير قائم على الأمنيات. وكان بالتأكيد على وعي بأن فلسطين تسكنها بالفعل أعداد غفيرة من العرب على الرغم من أنه لم تكن لديه المعلومات الكافية عن الظروف الاجتماعية والاقتصادية لهذا البلد. وكان ينظر إلى أهل فلسطين على أنهم بدائيين ومتخلفين ومع ذلك فقد كان متعاطفاً معهم على نحو متعال. فقد كان يؤمن بأنهم كأفراد يجب أن يتمتعوا بحقوق مدينة كاملة في الدولة اليهودية ولكنه لم يعتبرهم مجتمعاً له حقوق سياسية كاملة فوق الأرض التي يمثلون فيها الأغلبية الساحقة. ومثل الكثير من الصهاينة الأوائل الآخرين، كان يأمل في أن تؤدي المكاسب الاقتصادية إلى تصالح السكان العرب مع المشروع الصهيوني في فلسطين. لقد اعتقد أن اليهود، باعتبارهم حاملي لواء الحضارة الغربية بكل مزاياها، يمكن أن يجدوا الترحيب من قبل مواطني الشرق المتخلف. وقد تجلت هذه النظرة المتفائلة للعلاقات العربية – اليهودية في فلسطين كأوضح ما يكون في رواية نشرت لهرتزل في عام 1902 تحت اسم "الأرض الجديدة – القديمة". ويصف رشيد بك، أحد المتحدثين باسم السكان الأصليين في فلسطين، الاستيطان اليهودي على أنه نعيم مقيم حيث يقول "إن اليهود قد جعلونا ننعم بالرخاء، فلماذا يجب أن نغضب منهم؟ إنهم يعيشون معنا مثل الأشقاء، فلماذا لا نحبهم؟". ومع ذلك لم تكن تلك الصورة الوردية سوى حلم بعيد المنال. لقد أغفل مؤلف الرواية تماماً إمكانية تصاعد الحركة الوطنية في فلسطين كرد فعل تجاه المحاولات الصهيونية لتحويل البلد إلى وطن قومي لليهود يحتوي أغلبية يهودية.
وفي معرض الدفاع عن هرتزل يجب الإشارة إلى أنه في نهاية القرن التاسع عشر كانت فلسكين إحدى ولايات الإمبراطورية العثمانية، وكانت الحركة القومية العربية في بداية نموها هناك. وكان لا يزال تفضيله لأن يلعب لعبة السياسة العليا واضحاً. وكانت معظم جهوده المستمرة موجهة نحو إقناع السلطان العثماني بإصدار فرمان يسمح بالاستيطان اليهودي في فلسطين وإقامة يهودي في فلسطين. كما أنه أيضاً قد تقرب إلى الكثير من زعماء العالم وأصحاب النفوذ للمساعدة في تنفيذ مشروعه الأثير. وضمن أولئك الذين وجد لديهم أذاناً صاغية البابا وملك إيطاليا والقصير الألماني وجوزيف تشامبرلين وزير المستعمرات البريطانية. وفي كل مرة كان هرتزل يقدم مشروعه بأفضل طريقة تروق لمن يستمع إليه، فبالنسبة للسلطان وعده برأس المال اليهودي، وتعهد لقيصر ألمانيا بأن الدولة اليهودية سوف تكون نقطة مراقبة لبرلين، كما وعد تشامبرلين بأن الأرض اليهودية يمكن أن تكون مستعمرة للإمبراطورية البريطانية. وأياً كانت الحجج التي كان يستخدمها فقد ظل هدفه الأساسي ثابتاً لا يتغير ممثلاً في الاستحواذ على تأييد القوى العظمى لتحويل فلسطين إلى مركز سياسي للشعب اليهودي. وفي مرحلتها المبكرة، وطبقاً لتوجيه هرتزل، كشفت الحركة الصهيونية عن سمتين أساسيتين كانتا لهما أهمية جوهرية ومستمرة في تاريخها اللاحق، وهما عدم الاعتراف بالكيان القومي الفلسطيني والسعي نحو التحالف مع أي قوة عظمى غربية عن الشرق الأوس. وكان تجاهل الفلسطينيين اتجاهاً مميزاً للسياسة الصهيونية منذ المؤتمر الصهيوني الأول.
كان الافتراض الخفي لهرتزل وخلفائه يتلخص في أن الحركة الصهيونية يمكن أن تحقق هدفها ليس من خلال التفاهم مع الفلسطينيين المحليين ولكن من خلال التحالف مع القوى العظمى المهيمنة في أي وقت من الأوقات. وقد اجتمع ضعف المجتمع اليهودي في فلسطين قبل الاستقلال "اليوشوف" Yishuv، والعداء المتزايد للفلسطينيين معاً لكي يجعلا من الاعتماد على إحدى القوى العظمى عنصراً محورياً في الإستراتيجية الصهيونية. وتغيرت القوى العظمى المهيمنة على الشرق الأوسط مرات عديدة خلال القرن العشرين حيث كانت في البداية الإمبراطورية العثمانية ، وبعد الحرب العالمية الأولى أصبحت بريطانيا العظمى، وبعد الحرب العالمية الثانية أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية.
ولكن التأكيد الصهيوني على استخدام دعم القوى العظمى في الصراع من أجل إنشاء الدولة وترسيخ جذورها قد ظل ثابتاً.
كان حاييم وايزمان (1874-1952) هو مهندس التحالف بين الحركة الصهيونية وبريطانيا العظمى. والفرمان الذي أخفق هرتزل في الحصول عليه من الأتراك العثمانيين قد حصل عليه وايزمان من البريطانيين عام 1917 في صورة تصريح بلفور.
فقد قام وايزمان بتعضيد التحالف مع بريطانيا وجعله حجر الزاوية في السياسة الصهيونية طوال الفترة الطويلة والمميزة التي استمرت عبر النصف الأول من القرن العشرين.
ولد وايزمان في روسيا، وتلقى تعليمه الجامعي في برلين وجنيف وكان عضواً نشطاً في الحركة الصهيونية منذ بدايتها، كما حضر بعض المؤتمرات المبكرة. وفي عام 1904 انتقل إلى بريطانيا وشغل إحدى وظائف التدريس لمادة الكيمياء بجامعة مانشستر، ولكنه في منتصف الحرب العالمية الأولى توجه إلى لندن للإشراف على معمل خاص أنشأته الحكومة البريطانية لتحسين إنتاج قنابل لمدافع. وفي لندن قام بتدعيم القضية الصهيونية من خلال إجراء الاتصالات والاجتماعات في الدوائر السياسية العليا. ومن خلال مهاراته المتميزة في الدبلوماسية والإقناع سرعان ما وصل إلى القمة. وفي عام 1920 تم انتخابه رئيساً للمنظمة الصهيونية العالمية، وظل في هذا المنصب حتى عام 1946 باستثناء فقط الفترة من 1931 وحتى 1935. وعندما أنشئت دولة إسرائيل، شغل منصب أول رئيس لها حتى وفاته عام 1952 وقد تجلى أحد إسهامات وايزمان المبكرة في حل الصراع الدائم بين الصهاينة السياسيين والصهاينة العمليين. وقد أعطى الصهاينة السياسيين، متتبعين في ذلك خطى هرتزل، الأولوية للنشاط الدبلوماسي للحصول على التأييد العالمي للوطن اليهودي في فلسطين.
أما الصهاينة العمليون، على الجانب الآخر، فقد ركزوا على تنظيم الهجرة اليهودية إلى فلسطين وحيازة الأراضي والاستيطان وبناء اقتصاد يهودي هناك.
لم يكن الخلاف مجرد خلاف على أشياء ظاهرية ولكنه كان خلافاً حول المغزى الفعلي للصهيونية. وفي المؤتمر الصهيوني الثامن، عام 1907، أدخل وايزمان مصطلحاً جديداً وهو "الصهيونية التوفيقية" وأثبت أن المنهجين يدعم أحدهما الآخر، ويمثلان في الواقع، وجهان لعملة واحدة.
والمضمون السياسي للمصطلح الجديد، المتمثل في أن المنهجين يجب أن يمارسا على نحو متزامن، بدا أنه قد أرضى الفريقين.
وكانت معظم جهود وايزمان الخاصة موجهة نحو تجنيد دعم الحكومة البريطانية لصالح المشروع الصهيوني في فلسطين. ولم تكن لديه أية معرفة مباشرة بالمشكلة العربية ولا سياسة محددة للتعامل معها. وبشكل عام بدا أنه أن عرب فلسطين لا يشكلون مجتمعاً سياسياً منفصلاً له طموحاته القومية الخاصة به ولكنهم جزء ضئيل من الأمة العربية المترامية الأطراف وتوقع أيضاً أن تخفف المصلحة الشخصية من حدة معارضتهم للصهيونية.
ولم يكن يخامره أي شك في التفوق المعنوي للمزاعم اليهودية على المزاعم العربية في أرض فلسطين كوطن أم.
وقد تبلور موقف وايزمان تجاه عرب فلسطين، إلى حد بعيد، من خلال إستراتيجيته الأوسع المتمثلة في الحصول على الدعم البريطاني للصهيونية وكلما أصبحت مباحثاته مع الحكومة البريطانية أعمق وأكثر تعقيداً في إطار الحرب العالمية الأولى، كلما قل اهتمامه بالمتاعب المحلية مع عرب فلسطين. ومن أجل الحصول على تأييد بريطانيا لما أطلق عليه على نحو غامض كومنولث يهودي في فلسطين، فإنه قلل إلى أدنى حد من مدى خطورة المقاومة العربية المنظمة. ومع ذلك فقد وضع في اعتباره وهو يعرض قضيته ليس فقط إرضاء المصالح الإمبريالية البريطانية من خلال وجود دولة صديقة في منظمة ذات أهمية إستراتيجية كبرى ولكن أيضاً اللعب على تور المثالية البريطانية. وقد كللت جهوده بالنجاح، في 2 نوفمبر 1917، عندما كتب وزير خارجية بريطانيا آرثر بلفور إلى اللورد روتشيلد خطاباً جاء فيه:
"إن حكومة جلالة الملكة تنظر بعين العطف إلى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين وسوف تسخر كافة إمكانياتها لتسهيل تحقيق هذا الغرض، ويجب أن يكون واضحاً أنه لن يتم عمل أي شيء من شأنه أن يمس الحقوق المدنية والدينية للتجمعات غير اليهودية في فلسطين أو الحقوق والمنزلة السياسية التي يتمتع بها اليهود في أي بلد آخر".
ولقد اعتبر تصريح بلفور، بمجرد أن ترامى إلى الأسماع، انتصاراً ساحقاً للدبلوماسية الصهيونية. وفي وقت صدوره، كان عدد اليهود المقيمين في فلسطين حوالي 56000 نسمة مقابل 600 ألف من السكان العرب، أي أقل من 10% . وإذا وضعنا في اعتبارنا أن العرب كانوا يمثلون ما يزيد على 90% من عدد السكان، فإن الوعد الخاص بعدم المساس بحقوقهم المدنية والدينية كان وعداً أجوف، لأنه قد أغلف تماماً حقوقهم السياسية. والوعد البريطاني لليهود كان لا يمكن أن يتفق مع وعدهم الأسبق للشريف حسن شريف مكة بدعم إقامة مملكة عربية مستقلة بعد انتهاء الحرب مقابل ثورة العرب على الإمبراطورية العثمانية أو اتفاقيات سايكس – بيكو السرية في عام 1916 لتقسيم الشرق الأوس إلى دوائر نفوذ بريطانية وفرنسية في حالة انتصار الحلفاء. هذه الوعود المتضاربة في وقت الحرب قد أطلت برأسها مرة أخرى لتقض مضجع بريطانيا غداة انتصار الحلفاء. ومع ذلك، على نحو يوازي مقدار اهتمام وايزمان، منح تصريح بلفور اليهود، على الرغم من جوانب الغموض والقصور الموجودة به، مفتاحاً ذهبياً لفتح أبواب فلسطين وتنصب أنفسهم سادة عليها.
وفي أعقاب الحرب، ظل موقف وايزمان من عرب فلسطين محكوماً بالحاجة إلى الدعم البريطاني لإقامة وطن يهودي قومي.
ومع رعاية بريطانيا لحركة عربية شاملة تحت قيادة شريف مكة أثناء الحرب، لم يكن لديها أي تعاطف مع الفكرة القائلة بأن عرب فلسطين يألفون كياناً سياسياً محدداً. وكانت سياستها تتلخص في جعل الأمراء الهاشميين، أبناء شريف مكة، حكاماً لدول عربية شبه مستقلة. وقد أصبح الأمير فيصل، قائد الثورة العربية ضد الأتراك، ملكاً على سوريا، ولكن بعد أن طرده الفرنسيون من دائرة النفوذ، أسند إليه البريطانيون عرش العراق. وقد تم تعيين شقيقه الأكبر عبد الله حاكماً لإمارة الأردن، التي أنشأتها بريطانيا عام 1921. وبذلك أصبح العراق والأردن دعامتين أساسيتين من دعائم الإمبراطورية البريطانية في الشرق الأوسط في أعقاب الحرب العالمية الأولى (أنظر الخريطة 1).
لم يتطلب الأمر كثيراً من الوقت لكي تكيف وايزمان مع الخريطة الجديدة للشرق الأوسط. وفور حصوله على الضوء الأخضر من البريطانيين، شرع في تجاهل مطالب عرب فلسطين وسعى إلى التوصل إلى اتفاق مع الحكام الهاشميين للدول العربية المجاورة: وكان هذا أساس اتفاقيته التي وقعها مع فيصل في 3 يناير 1919. وقد تم فيها اعتماد تصريح بلفور والإعراب عن "النوايا الحسنة والتفاهم" بين العرب واليهود لتحقيق طموحاتهم القومية على أرضهم في فلسطين. ومع ذلك فإن الاتفاقية لم يكتب لها الحياة، لأنها كانت ضد الرأي العام في العالم العربي. وسواء كان فيصل يمتلك السلطة أم لا لتوقيع اتفاق يؤثر على عرب فلسطين في المقام الأول، فقد أرغم من خلال رعاياه القوميين على إعلان أن فصل فلسطين عن سوريا غير مقبول وأن الطموحات الصهيونية لإنشاء دولة يهودية تتناقض مع الأفكار العربية.
وكانت النتيجة الأساسية لذلك الفاصل المسرحي وايزمان – فيصل، من وجهة نظر العرب، النظر إلى الصهيونية على أنها حليف للإمبراطورية البريطانية في الشرق الأوسط وعلى أنها عقبة في طريق كفاحهم من أجل تقرير المصير.
وخلال الفترة من 1918 إلى 1920 ألقى الصهاينة بكل ثقلهم من أجل التوسع في تفسير تصريح بلفور إلى أقصى مدى ممكن. فقد سعوا نحو الاعتراف الدولي بحق اليهود في فلسطين وأعلنوا عن رغبتهم في أن يمتد الوطن القومي اليهودي لكي يشمل ضفتي نهر الأردن. وعندما سأل وايزمان في مؤتمر باريس للسلام ما الذي يعنيه بالوطن القومي اليهودي، أجاب إجابته الشهيرة "أن نجعل فلسطين يهودية تماماً مثلما تكون انجلترا انجليزية". ومع ذلك فقد كان حريصاً على عدم ذكر ما يشير إلى كلمة دولة، حتى لا يمنح أي دعم للاتهام القائل بأن الأقلية اليهودية تخطط لكي تكون لها السيادة على الأغلبية العربية وعلى الرغم من أن إنشاء دولة يهودية ذات غالبية يهودية كان هدفه النهائي والثابت، فإنه قد أمن بالعمل على نحو تدريجي ومتطور، وبلا صخب من أجل تحقيق هذا الهدف.
كانت سياسة وايزمان تجاه عرب فلسطين توصف عادة بأنها معتدلة، ولكنها كانت معتدلة في أسلوبها أكثر منها في جوهرها. وعلى الرغم من صبره وتعلقه ورغبته في الإنصات إلى العرب، فقد كان متشدداً في الدفاع عن المصالح اليهودية في فلسطين. لقد كان مستعداً لقبول العرب كشركاء في إدارة فلسطين من خلال مجلس منتخب يعتمد على التكافؤ بين المجتمعين، ولكنه لم يقبلهم كشركاء أكفاء في التفاوض حول مستقبل البلد. وفي رأيه أن هذا التفاوض يجب أن يتم فقط بين بريطانيا واليهود.
ولا يثير تدهور العلاقات – اليهودية – العربية بعد صدور تصريح بلفور الكثير من الدهشة. وافتراض وايزمان أن عرب فلسطين سوف يظلون سلبيين سياسياً وأن الصراع العربي – اليهودي يمكن أن يجد طريقه إلى الحل عبر المستويين الاجتماعي والاقتصادي قد ثبت خطأه في نهاية المطاف. فقد ظهرت حركة قومية فلسطينية أثناء الحرب وكان أحد أسباب ظهورها التحدي الصهيوني. وتحت قيادة الحاج أمين الحسيني، المفتي الأكبر للقدس، أصبحت الحركة القومية الفلسطينية ليست نشطة فقط ولكن أيضاً عدوانية في مناهضتها للصهيونية. وقد رفض المفتي مراراً وتكراراً كل مقترحات التسوية التي قدمها البريطانيون وحرض على القيام بأعمال الشغب وإثارة الاضطرابات ضد اليهود الأمر الذي أدى في النهاية إلى ثورة شاملة في الفترة من 1936 – 1939 ضد السلطات البريطانية ورعاياها اليهود.
وجد وايزمان أيضاً أنه قد جانبه الصواب فيما يتعلق بافتراضه الخاص بالارتباط القومي بين المصالح البريطانية واليهودية في فلسطين. وقد أدى تصاعد المقاومة العربية، مع اندلاع أعمال العنف من وقت إلى آخر، إلى إجبار بريطانيا على إعادة تقييم التزاماتهم نحو الصهيونية التي قطعتها على نفسها في وقت الحرب. وكانت نتيجة ذلك تملصاً تدريجياً من وعدها المتمثل في إعلان بلفور وانتهاج سياسة أكثر توازناً تجاه الطرفين المتشاحنين على أرض فلسطين. وقد قصر البيان الحكومي "الكتاب الأبيض" الذي أصدره ونستون تشرشل عام 1922 الدعم البريطاني للوطن القومي اليهودي على ثلاث وسائل حيث وضع للمرة الأولى معايير اقتصادية للهجرة اليهودية، واقترح إنشاء مؤسسات منتخبة تعتمد على المثيل حسب عدد السكان، واستبعد الأردن من المساحة المتاحة للاستيطان اليهودي. وقد استمر هذا التحول المعاكس في السياسة البريطانية طوال فترة الحرب حتى وصل إلى الذروة في البيان الحكومي لعام 1939.
كانت خيبة أمل وايزمان في البريطانيين مريرة مثل أي زعيم صهيوني آخر. ومع ذلك فقد كان رده حقيقاً وعملياً. فبسبب أنه قد عقد كل آماله على العلاقة ببريطانيا، أدرك أنه ليس هناك بديل الآن للاعتماد على سلطة الانتداب إذا أراد للوطن القومي اليهودي الحياة. وهذا هو سبب رفضه كشف أوراقه كاملة أمام بريطانيا، فليست هناك طريقة يمكن بها للصهاينة أن يفرضوا تفسيرهم الخاص لتصريح بلفور على بريطانيا. وكانت نصيحته الاستمرار في بناء الوطن القومي اليهودي خطوة بعد خطوة ومهاجر بعد مهاجر ومستوطن بعد آخر.
لم تحظ هذه النصيحة بموافقة جماعية من المعسكر اليهودي. وفي أوائل العشرينيات، وسط جو من تنامي القوى العسكرية العربية ومحاولات بريطانيا تهدئة العرب، تصاعدت الأصوات مطالبة بتعديل السياسة الرسمية للحركة الصهيونية. وكان صوت زائيف فلاديمير جابوتنسكي أقوى هذه الأصوات.
كان زائيف جابوتنسكي (1880-1940) يهودياً قومياً متقد الحماس وهو مؤسس الصهيونية الجديدة والأب الروحي للحق الإسرائيلي. وقد ولد في أوديسا لعائلة يهودية روسية ليبرالية، وعمل كصحفي في روما وفينا وبدأ في مرحلة مبكرة تكريس مهاراته المميزة ككاتب وخطيب ومناظر لا يشق له غبار لخدمة القضية الصهيونية. وأثناء الحرب العالمية الأولى أقنع البريطانيين بتكوين وحدات من المتطوعين اليهود داخل الجيش البريطاني وخد هم نفسه كضابط في فريق المشاة الصهيوني في مصر.
وفي عام 1921 تم انتخاب جابوتنسكي للمجلس التنفيذي الصهيوني. ومنذ بداياته الأولى كان على خلاف عميق مع حاييم وايزمان، زميله اللدود الذي استمر معه طوال حياته. وفي عام 1923 استقال من المجلس التنفيذي الصهيوني متهماً سياساته وخاصة قبوله لبيان 1922، بأنها سوف تؤدي إلى ضياع فلسطين. وفي المؤتمرات الصهيونية المتوالية أثبت جابوتنسكي أنه أحد الخطباء العظماء وأصبح المتحدث بلسان المعارضة. وقد أنشأ حزباً جديداً، وهو الاتحاد الدولي لمجددي الصهيونية (الصهاينة الجدد) في عام 1925، وحركة الشباب. وبعد عقد من معارضة القيادة الرسمية للصهيونية، قام هو ومجموعته بالانسحاب من الحركة برمتها وأسس المنظمة الصهيونية الجديدة، التي انتخبته كرئيس لها. وقد عارض جابوتنسكي تقسيم فلسطين.
ودفعه تصاعد العمليات العسكرية إلى تولي قيادة المنظمة العسكرية المنشقة "أرجون". وقد توفى في أمريكا عام 1940 أثناء إحدى المهام لتنظيم المشاركة اليهودية في المجهود الحربي للحلفاء. وكان جابوتنسكي موهوباً بدرجة غير عادية كما كان متعدد المهارات، ومفكر أصيل وصاحب أيديولوجية وزعيم سياسي محنك. وقد أحبه أتباعه إلى درجة العبادة بينما كرهه أعداؤه إلى درجة التحريم.
وعلى الرغم من أن الحركة ذات الاتجاه الجديد كانت سائدة بدرجة كبرية من خلال جابوتنسكي وأفكاره، فإنها لم تكن تعتمد على الفردية. ولقد حصلت على تأييد راسخ الجذور في العشرينيات أثناء فترة الأزمة في تاريخ الصهيونية. وقد أحيا تصريح بلفور الأمل في أن الصهيونية سوف تتحقق على جناح السرعة بمساعدة بريطانيا العظمى، ولكن سياسة بريطانيا بعد الحرب قد خلفت مناخاً يخيم عليه الإحباط وخيبة الأمل. وقد استغل جابوتنسكي هذا المناخ لبناء حركته وترسيخ أيديولوجية الصهيونية الجديدة.
كانت إحدى المفارقات الخاصة بهذه المرحلة في التاريخ الصهيوني تنحصر في عدم وجود أي فرق جوهري بين جابوتنسكي ووايزمان من حيث دور بريطانيا العظمى. فكلا الرجلين، مع اختلاف الوسائل، كان من أتباع ثيودور هرتزل المخلصين حيث افترض كلاهما أن دعم وحماية إحدى القوى العظمى أمر محتم في الصراع من أجل بناء الدولة. وقد نبع توجه جابوتنسكي القوى الموالي للغرب من وجهة نظره العالمية المحددة. فقد رفض النظرة الرومانسية للشرق وآمن بالتفوق الثقافي للحضارة الغربية. وقد أعلن ذات مرة "إننا نحن اليهود ليس لدينا شيء مشترك مع ما يسمى (الشرق) ونحن نشكر الله على ذلك" فالشرق، من وجهة نظره، يمثل السلبية السيكولوجية والركود الاجتماعي والثقافي والاستبداد السياسي. وعلى الرغم من أصل اليهود يعود إلى الشرق، فإنهم ينتمون إلى الغرب ثقافياً ومعنوياً وروحياً. وكانت الصهيونية كما تصورها جابوتنسكي ليست عودة اليهود إلى موطنهم الروحي ولكنها بمثابة غرس أو زرع الحضارة الغربية في الشرق. وهذه النظرة العالمية ترجمت إلى تصور جغرافي استراتيجي تتحالف فيه الصهيونية بشكل دائم مع الاستعمار الأوروبي ضد كل العرب في شرق البحر الأبيض المتوسط.
وقد تجلى السبب الجوهري لاختلاف جابوتنسكي مع القيادة الصهيونية الرسمية في تصوره للدولة اليهودية. فقد وضع قاعدتين أساسيتين شكلتا أيديولوجية الصهيونية الجديدة وبرنامجها السياسي. القاعدة الأولى تتمثل في تكامل أرض إسرائيل، على ضفتي نهر الأردن داخل الحدود الأصلية لانتداب فلسطين. أما القاعدة الثانية فهي الإعلان الفوري عن الحق اليهودي في السيادة على المنظمة ككل.
وقد أثار التحديد الأقصى الصهيونية مرة أخرى تساؤلاً يقول: هل يشكل عرب فلسطين كياناً مميزاً، وإذا كان ذلك كذلك، ما الذي يجب أن يكون عليه الموقف الصهيوني نحوهم وما الذي يجب أن يكون عليه موقفهم تجاه الدولة اليهودية المزعومة؟. تأتي إجابة جابوتنسكي في مقالين غاية في الأهمية تم نشرهما عام 1923 بعنوان "الحائط الحديدي". فقد قدما جوهر النظرية الجديدة فما يختص بالمشكلة العربية وأعلنا عن شعارها المحارب.
المقال الأول عنوانه "خلف الحائط الحديدي (نحن والعرب)". وهو يبدأ بملاحظة شخصية يصف فيها جابوتنسكي موقفه المعنوي من العرب على أنه غير متحيز. وذهب إلى رفض أي فكر خاص باستئصال العرب من فلسطين، باعتباره مرفوضاً تماماً. وأضاف، منتقلاً إلى منظور فلسفي، أن المشكلة الحقيقية هي ما إذا كان المرء يستطيع دائماً تحقيق الأهداف السلمية بوسائل سلمية أم لا.
وقد أصر على أن إجابة هذا السؤال تعتمد بلا شك على موقف العرب من الصهيونية وليس موقف الصهيونية منهم. وتحليل جابوتنسكي لموقف العرب قد قاده إلى ذكر أن "الاتفاق الاختياري بيننا وبين عرب فلسطين هو أمر لا يمكن تخيله الآن أو في المستقبل القريب". وكما اكتشف ذلك معظم الصهاينة المعتدلين، فإن الفرصة البالغة الضالة الخاصة بالتوصل إلى اتفاق مع عرب فلسطين لن تؤدي إلى تحويل فلسطين إلى بلد ذي أغلبية يهودية. وهذا لأنهم يعتبرون بلدهم هو وطنهم القومي ويريدون أن يظلوا هم ملاكه المنفردين. وقد انقلب جابوتنسكي بشكل حاد على أولئك الصهاينة الذي صوروا عرب فلسطين إما على أنهم حمقى يمكن خداعهم بسهولة من خلال تقديم رواية ساذجة عن الأهداف الصهيونية أو تصويرهم على أنهم جماعة من المرتزقة على استعداد للتنازل عن حقهم في وطنهم مقابل المكاسب الاقتصادية. وقد كتب يقول "إن أي شعب فطري سوف يقاوم المستوطنين الغرباء طالما لاحت له أي بارقة أمل في التخلص من خطر الاستيطان الأجنبي. هكذا سوف يتصرف العرب وسوف يظلون يتصرفون كذلك طالما بقي لديهم بارقة أمل في أنهم يستطيعون منع (فلسطين) من أن تصبح أرض إسرائيل".
وبعد أن أوضح جابوتنسكي منطق العداء الفلسطيني للصهيونية انتقل إلى مضامين السياسة. وأفاد بأن أحد الخيارات يتمثل في منح العرب غير الفلسطينيين المال أو التحالف السياسي مقابل موافقتهم على السيطرة اليهودية على فلسطين. وقد رفض هذا الخيار لسببين. الأول: أنه لا فائدة من تغيير العداء الدفين لعرب فلسطين نحو الاستعمار اليهودي. والثاني: أن تقديم المال اليهودي والدعم السياسي لعرب الشرق الأوسط قد يعد خيانة للقوى الاستعمارية الأوروبية، وخاصة بريطانيا، وهذا يعد عملاً انتحارياً. وعلى ذلك يصل جابوتنسكي إلى استنتاج يقول:
إننا لا نستطيع أن نعد بتقديم أي مكافأة لعرب فلسطين ولا للعرب خارج فلسطين. والتوصل إلى اتفاق اختياري أمر مستبعد. وعلى أولئك الذين يعلقون الآمال على التوصل لاتفاق مع العرب باعتباره شرطاً لازماً للصهيونية أن يعترفوا لأنفسهم اليوم بأن هذا الشرط لا يمكن أن يتحقق مما يعني أننا يجب أن نكف عن السعي نحو تحقيق الصهيونية ويجب علينا إما أن نجمد جهود الاستيطان أو نستمر فيها بدون أن نلقي بالاً إلى رد فعل السكان الأصليين.
وعلى ذلك فالاستيطان يمكن أن يتنامى تحت حماية قوة ما لا تعتمد على السكان المحليين، خلف حائط حديدي لا يستطيعون اختراقه.
كانت هذه، بإيجاز، سياسة جابوتنسكي تجاه المشكلة العربية: إقامة حائط حديدي من القوة العسكرية اليهودية. وهذه الحاجة لبناء الحائط الحديدي، كما زعم، وجدت موافقة شاملة من كل الصهاينة.
الفرق الطفيف الوحيد كان يتمثل في أن "العسكريين" قد أرادوا أن يكون الحائط من الحراب اليهودية، بينما أراد "المدنيون" بناء الحائط من الحراب البريطانية. ولكنهم أرادوا جميعاً حائطاً حديدياً. إن التكرار المستمر للرغبة الصهيونية في التفاوض مع العرب لم يكن فقط نوعاً من أنواع الرياء الكاذب ولكنه كان ضاراً أيضاً واعتبر جابوتنسكي أن مهمته المقدسة هي كشف هذا الرياء. وعند الاقتراب من نهاية المقال أسهب جابوتنسكي بعض الشيء في تبديد أي انطباع من المحتمل تكونه من خلال تحليله بأنه ليس لديه أي أمل في التوصل إلى اتفاق مع عرب فلسطين حيث يقول:
"إنني لا أهدف إلى التأكيد على عدم وجود أي احتمال للتوصل إلى اتفاق مع عرب أرض إسرائيل. ولكن الاتفاق الاختياري فقط غير ممكن. فطالما يحتفظون ببارقة أمل في أنهم سوف ينجحون في طردنا، فلا يوجد شيء في هذا العالم سوف يثنيهم عن هذا الأمل، بالتحديد لأنهم ليسوا أفراداً متناثرين ولكنهم شعب يقطن هذه الأرض. والشعب الذي يقطن الأرض سوف يتخلى عن هذه القضايا المصيرية فقط عندما يفقد كل أمل في طرد المستوطنين الغرباء. عندئذ فقط تفقد الجماعات المتطرفة التي ترفع شعار "لا إلى الأبد" تأثيرها، وينتقل نفوذها إلى جماعات أكثر اعتدالاً. والذين سيقدمون مقترحات من أجل التسوية. ويبدءون مساومتنا على أمور عملية، مثل ضمانات عدم طردهم والمساواة في الحقوق المدنية والقومية".
وقد انتهى المقال باعتراف على رؤوس الأشهاد بأن التعايش السلمي بين العرب واليهود قد يكون ممكناً، ولكن فقط نتيجة بناء حائط منيع:
"إنني أمل وأومن بأننا سوف نقدم لهم حينئذ ضمانات ترضيهم وسوف يتعايش الشعبان في سلام مجيران وطيبين. ولكن الطريق الوحيد لهذا الاتفاق يمر بالحائط الحديدي، بمعنى أن يتم بناء قوة في فلسطين لا تتأثر بضغط العرب. بمعنى آخر، أن الطريق الوحيد لتحقيق الاستقرار في المستقبل يتمثل في تجنب كل محاولات التوصل لتسوية في الوقت الراهن". وقد انتقد الصهاينة المعتدلون المقال، خاصة أنه قد كتب عبر منظور غير أخلاقي. وعلى ذلك فقد كتب جابوتنسكي مقالاً ثانياً بعنوان "مدى أخلاقية الحائط الحديدي"، قلب فيه المائدة على منتقديه. فقد كان يؤمن، من المنظور الأخلاقي، بأن هناك احتمالين: إما أن تكون الصهيونية ظاهرة إيجابية، أو أن تكون ظاهرة سلبية. هذا السؤال يحتاج إلى إجابة قبل أن يصبح المرء صهيونياً. وجميعهم قد توصلوا إلى أن الصهيونية قوة فيجابية، حركة أخلاقية يقف العدل إلى جانبها. والآن "إذا كانت القضية عادلة، فالعدل يجب أن ينتصر، دون النظر إلى موافقة أو عدم موافقة أي شخص آخر.
كانت إحدى الحجج الذائعة الانتشار ضد الصهيونية تتمثل في أنها تنتهك الحق الديمقراطي للأغلبية العربية في تقرير مصيرها القومي على أرض فلسطين. وقد رد جابوتنسكي بأن اليهود لديهم حق معنوي في العودة إلى فلسطين والعالم المستنير يعرف جيداً هذا الحق. وعلى ذلك فقد عاد إلى القول بأن وسيلة الحائط الحديدي غير أخلاقية لأنها تحاول توطين اليهود في فلسطين بدون موافقة سكانها.
وأشار إلى أنه بما أنه ليس هناك أي سكان أصليين في أي مكان في العالم يمكن أن يقبلوا بأغلبية أجنبية، فإن النتيجة المنطقية سوف تكون التراجع التام عن فكرة الوطن القومي اليهودي. وحينئذ فإن حتى مجرد الحلم بوطن قومي قد يصبح لا أخلاقي. وانتهى المقال بالتأكيد على مدى أخلاقية الحائط الحديدي: "إن الحقيقة المقدسة، التي يحتاج تحقيقها إلى استخدام القوة، لا تتوقف عن كونها حقيقة مقدسة. هذا هو أساس موقفنا تجاه المقاومة العربية، ويجب علينا الحديث عن التسوية فقط عندما نكون متأهبين لمناقشتها".
وعلى الرغم من أن مقال "خلف الحائط الحديدي" قد أصبح دستوراً للصهيونية الجديدة، فإن رسالته الحقيقية قد أسئ فهمها في الغالب، ليس فقط من خلال أتباع جابوتنسكي. فالحائط الحديدي بالنسبة له لم يكن غاية في حد ذاته ولكنه وسيلة لتحطيم مقاومة العرب لمسيرة الصهيونية. وبمجرد تحطيم المقاومة العربية، يمكن أن تحدث عملية تغيير داخل الحركة القومية الفلسطينية، مع وصول المعتدلين إلى الطليعة. وعندئذ فقط قد يحين الوقت للبدء في التفاوض الجاد. وفي هذه المفاوضات يجب على الجانب اليهودي أن يقدم للفلسطينيين حقوقاً مدنية وقومية. ولم يقدم جابوتنسكي في هذا المقال تفسيراً لما كان يعنيه بالحديث عن "حقوق قومية"، ولكن هناك آراء أخرى تقترح أن ما يقصده هو الاستقلال السياسي للفلسطينيين داخل الدولة اليهودية. ويتضح من هذا المقال أنه قد أدرك أن العرب الفلسطينيين يشكلون كياناً قومياً مستقلاً وأنه يرى أن لهم بعض الحقوق القومية، على الرغم من أنها محدودة، وأنها ليست مجرد حقوق فردية.
ومن حيث عالم الفكر، كان جابوتنسكي له أهميته بصفته مؤسس الصهيونية الجديدة. ومن حيث عالم السياسة كان تأثيره أكبر كثيراً مما تم تصوره. إن أنصار الصهيونية الجديدة ليسوا هم فقط الذين تأثروا بأفكاره ولكن الحركة الصهيونية ككل. ومقال "خلف الحائط الحديدي" وحسب تعبير أحد المراقبين المتمتعين بالبصيرة، يجب أن يعالج على أنه جهد نشيط وأمين من أجل التصدي لأخطر المشاكل التي تواجه الحركة الصهيونية وتنظير منهجي لما أصبح، في الواقع، منطقياً سائداً في السياسة الصهيونية والإسرائيلية المواقف نحو عرب فلسطين من العشرينيات وحتى الثمانينيات.
لم تكن الحركة الصهيونية حركة سياسية متناغمة ولكنها كانت تجمع بين أحزاب سياسية متنافسة، وكان أكبرها حزب العمل، الذي اعتمد في نشأته على الأفكار الماركسية والمبادئ الاشتراكية. إن أحد الفروق الجوهرية بين صهيونية حزب العمل والصهيونية الجديدة يتعلق باستخدام القوة. فقد كان صهاينة العمل معارضين للاعتراف بأن القوة العسكرية يمكن أن تكون ضرورية من أجل أن تحقق الحرية الصهيونية أهدافها، وقد قطن جابوتنسكي إلى تلك الحقيقة على نحو واضح ومحدد. وقد مضى إلى أبعد من ذلك من خلال اقتراح عكس قائمة الأولويات الصهيونية. وقد رغب صهاينة حزب العمل في المضي قدماً نحو بناء الدولة من خلال الهجرة والاستيطان وتخصيص أولوية أقل لبناء القدرة العسكرية. ولكن جابوتنسكي لم يتخل أبداً عن قناعته العسكرية اليهودية في العامل الجوهري في الصراع من أجل بناء الدولة. وقد توصل صهاينة حزب العمل إلى وجهة النظر هذه تدريجياً دون الاعتراف بها صراحة.
وعلى ذلك فإن التحليل النهائي يقول بأن الفجوة لم تكن واسعة بالقدر الذي تبدو عليه، حيث إن قادة حزب العمل، أيضاً، قد وصلوا إلى مرحلة الاعتماد بشكل متزايد على إستراتيجية الحائط الحديدي.
يتجلى تحول صهيونية حزب العمل نحو منطق وإستراتيجية الحائد الحديدي في أوضح صورة من خلال مسرة دافيد بن جوريون (1886-1973)، منشأ القوة العسكرية اليهودية ومؤسس دولة إسرائيل. ولد دافيد بن جوريون في بلونسك ببلولندا، حيث قام في مرحلة مبكرة من عمره بالالتزام العميق بالاشتراكية والصهيونية وفي عام 1906 سافر إلى فلسطين للعمل كعامل زراعي. وقد كان في البداية عضواً نشطاً في الحزب الاشتراكي الصهيوني، الذي اتحد مع جماعات أخرى لتكوين حزب أحدوت هافوداح Ahduth Ha'avodah في عام 1919 واندمج مع هابوئيل حتسائير Hapel Hatza'ir عام 1930 لتكوين الماباي، حزب العمل الإسرائيلي. وسرعان ما تقلد مناصب ذات منزلة رفيعة في حركة اتحاد العمال وحزب العمل والحركة الصهيونية. وقد عمل منذ 1921 حتى 1935 سكرتيراً عاماً للهستدروت، الاتحاد العام للعمال في فلسطين. وفي عام 1935، تم انتخابه رئيساً للمجلس التنفيذي للوكالة اليهودية ظل في هذا المنصب حتى إنشاء دولة إسرائيل في عام 1948. ومنذ عام 1948 وحتى تقاعده عام 1963، باستثناء فترة قصيرة، عمل رئيساً لوزراء إسرائيل ووزيراً للدفاع.
وطوال حياته السياسية الطويلة كان بن جورين منغمساً بشكل عميق ومستمر في المشكلة العربية. وكان دائم الحديث عن هذا الموضوع، كما قام بنشر عدد لا يحصى من الكتب والمقالات. ومع ذلك فإن الخوض في غمار هذه المواد مسألة لا جدوى منها لأن هناك هوة واسعة تفصل بين تصريحاته العامة من المشكلة العربية وقناعاته الخاصة بسبب أنه كان قبل كل شيء سياسياً براجماتياً. وقد مالت تصريحات بن جوريون العامة في العشرينيات وأوائل الثلاثينيات إلى التأكيد على المعارضة الرسمية لحركة العمال، التي كانت تؤمن بأن عرب فلسطين لا يشكلون كياناً قومياً منفصلاً ولكنهم جزء من الأمة العربية وعلاوة على ذلك ليس هناك تعارض جوهري بين مصالح عرب فلسطين ومصالح الصهاينة. فصراع الصهيونية، حسب التفسير الشيوعي، هو مجرد صراع طبقي مع ملاك الأراضي العرب والأفندية، وهذا الصراع يمكن أن يحل إذا أدرك الفلاحون العرب أن مصالحهم الحقيقية مع مصالح الطبقة العاملة اليهودية.
وبشكل شخصي لم يكن بن جوريون يؤمن بذلك التحليل الطبقي أو بنبوءته المتفائلة. وقد تخير منهجه تجاه المشكلة العربية بواقعية مفرطة. وقد أدرك باعتباره عاملاً زراعياً مدى حدة المشكلة. وقد ازدادت مخاوفه وهواجسه عندما أدرك أن المعارضة العربية كانت راسخة الجذور وأنها تصاعدت حتى وصلت إلى مرتبة الرفض المطلق للمشروع الصهيوني برمته. وعلى ذلك، في مرحلة مبكرة جداً من نشاطه السياسي، توصل بن جوريون إلى قناعة بأن الصراع بين الصهيونية والعرب لا مفر منه وأنه يمثل تحدياً هائلاً.
وقد أدى تقدير بن جوريون لقوة المعارضة العربية إلى سعيه إلى تأييد إحدى القوى الخارجية العظمى من أجل تعويض ضعف الحركة الصهيونية. وكان توجهه إلى إحدى القوى العظمى أمراً عملياً أكثر منه أيديولوجياً. ومن خلال سعيه الدءوب قام بتأييد التوجه العثماني والبريطاني والأمريكي. وكان يحكم التغير في التوجه صعوداً أو هبوطاً من خلال تأثير هذه القوى العظمى. فعندما حلت بريطانيا محل الإمبراطورية العثمانية كقوة مهيمنة في فلسطين، تتبع خطى حاييم وايزمان في الدفاع عن التحالف مع بريطانيا. والواقع أن التحالف مع بريطانيا، بالنسبة لدافيد بن جوريون، كان يعتبر شرطاً لازماً لنجاح الصهيونية. فقد اعتبر التعاون مع بريطانيا أكثر أهمية من التعاون مع العرب. والكثير من المقترحات التي قدمها للعرب لم تكن نابعة من قناعة حقيقية ولكن كان الهدف منها إرضاء البريطانيين. وقد رغب البريطانيون في تفاهم يهودي – عربي، ولذلك أراد بن جوريون أن يظهر بمظهر الساعي نحو هذه الغاية حتى لو بدا أن مقترحاته ليست أمامها أي فرصة للموافقة عليها من جانب العرب. وقيام تحالف ضد الإمبريالية مع العرب كان أمراً مستبعداً تماماً بالنسبة لقناعاته، على الرغم من أن الأيديولوجية الاشتراكية كانت تشير إلى ذلك الاتجاه.
ولقد صنعت الثورة العربية، التي اندلعت في إبريل 1936، نقطة تحول في تطور موقف بن جوريون من المشكلة العربية. فقد أعلن للمرة الأولى عن الطبيعة القومية للمعارضة العربية للصهيونية. وقد صرح للمجلس التنفيذي للوكالة اليهودية في 19 مايو 1936 بأن هناك صراعاً هائلاً: "فنحن وهم نريد نفس الشيء كلانا يريد فلسطين. وهذا هو الخلاف الجوهري بيننا".
ولأنه كان من الناحية الأيديولوجية أقل تزمتاً من رفاقه فقد كان يرغب في الاعتراف من الناحية السياسية بأنهم المعتدون، بينما العرب يدافعون عن أنفسهم. ولكن إدراكه لطبيعة الثورة العربية الراسخة الجذور جعله لا يميل إلى التفاوض والحلول الوسط. بل على النقيض، جعله ذلك يقتنع بأن الحرب فقط، وليست الدبلوماسية، هي التي ستحسم الصراع.
كان بن جوريون على قناعة تامة بوجوب التحقق الكامل للصهيونية بصرف النظر عن نطاق وعمق المعارضة العربية. وفي خطابه إلى المجلس التنفيذي للوكالة اليهودية في يونيو 1936، أصر على أن السلام مع العرب هو مجرد وسيلة للوصول إلى غاية: "إننا لا نريد الوصول إلى اتفاق من أجل إقرار السلام في هذا البلد. والواقع أن السلام أمر حيوي بالنسبة لنا. ومن المستحيل بناء بلد ما في حالة حرب دائمة، ولكن السلام بالنسبة لنا هو وسيلة وليس غاية. والغاية هي التحقيق الكامل والتام للصهيونية. ونحن لهذا السبب فقط نرغب في التوصل إلى اتفاق".
كان بن جوريون يؤمن بأن التوصل إلى اتفاق مع العرب من أجل تحقيق الهدف النهائي للصهيونية هو أمر ممكن، ولكن فقط على المدى الطويل:
"إن الاتفاق الشامل هو بلا شك أمر مستبد الآن. فقط بعد أن يدب اليأس الكامل في نفوس العرب، ذلك اليأس الذي سوف يأتي ليس فقط من فشل الاضطرابات ومحاولة التمرد، بل سوف يأتي أيضاً من تنامي قوتنا في هذا البلد، يمكن عندئذ أن يذعن العرب لوجود إسرائيل اليهودية". إن التشابه بين النتيجة التي توصل إليها بن جوريون وتلك التي توصل إليها زائيف جابوتنسكي في مقاله "خلف الحائط الحديدي" قبله بثلاثين عاماً هو أمر يثير الدهشة.
فقد اعتبر كلاهما عرب فلسطين حركة قومية في جوهرها ملتزمة بمقاومة المعتدي الصهيوني. وقد أدرك كلاهما أن أولئك العرب لن يسمحوا أبداً بقيام دولة يهودية وأن الدبلوماسية لن تكون قادرة على حل الصراع. وقد آمن كلاهما بأن العرب سوف يواصلون القتال طالما بقي لديهم أدنى أمل في منع اليهود من السيطرة على بلدهم. وقد توصل كلاهما إلى أن القوى العسكرية اليهودية فقط هي القادرة على جعل اليأس يدب في ونفوس العرب والقبول بدولة يهودية في فلسطين. ولم يستخدم بن جوريون مصطلح الحائط الحديدي، ولكن تحليله واستنتاجاته كانت متطابقة تماماً مع تلك الخاصة بجابوتنسكي.
قامت الحكومة البريطانية بالرد على اندلاع الثورة العربية في فلسطين بتعيين لجنة ملكية، برئاسة اللورد بيل، وذلك من أجل التحقيق في أسباب الاضطرابات والتوصل إلى حل. وقد توصلت اللجنة إلى أن القومية اليهودية قومية متشددة متمردة حول نفسها مثلها مثل القومية العربية، وأن الهوة بينهما تزداد اتساعاً، وأن الحل الوحيد هو تقسيم البلد إلى دولتين منفصلتين. وفي تقريرها النهائي الصادر في يوليو 1937، اقترحت اللجنة إنشاء دولة يهودية صغيرة جداً مساحتها 5000كم2، ودولة عربية كبيرة ومقاطعة تمتد من القدس إلى يافا في ظل انتداب بريطاني دائم (انظر الخريطة 2).
اعتبر بن جوريون خطة بيل للتقسيم بداية لنهاية الانتداب البريطاني في فلسطين وميلاد الدولة اليهودية كبرنامج سياسي واقعي. وقد انقسمت الحركة الصهيونية في رد فعلها تجاه خطة التقسيم، على الأقل بالنسبة لصغر حجم الدولة اليهودية والشكوك المحيط بصلاحيتها.
ولكن في المؤتمر الصهيوني العشرين، الذي عقد بمدينة زيورخ في أغسطس 1937، تم التوصل إلى قرار بقبول الخطة كقاعدة للتفاوض مع الحكومة البريطانية. وقد انطوى ذلك القرار بوضوح على مفهوم مغزاه أنه من الآن فصاعداً يكون لإنشاء الدولة اليهودية المستقلة الأسبقية على أي اتفاق يهودي عربي. وكان ذلك يتماشى مع القاعدة التي أرساها بن جوريون في العام السابق والتي تقول أنه بينما نواصل السعي نحو التوصيل إلى اتفاق مع العرب، لا يجب أن يعتمد تحقيق الصهيونية على ذلك.
كان قادة المعسكر المؤيد للتقسيم حاييم وايزمان ودافيد بن جوريون وموشي شيرتوك، رئيس الإدارة السياسية بالوكالة اليهودية، والذي كان عليه أن يغير اسمه بعد ذلك ليصبح شاريت والذي أصبح أول وزير خارجية لدولة إسرائي. وكانت الحجة الأساسية المؤيدة للتقسيم تتمثل في أن إقامة دولة يهودية مستقلة حتى ولو على جزء صغير من أرض فلسطين يعتبر أمراً أكثر فائدة على طريق تحقيق الصهيونية من أي بديل آخر. وكان وايزمان يؤمن بأن اليهود سوف يكونون أغبياء إذ لم يقبلوا خطة بيل للتقسيم حتى ولو كانت الدولة اليهودية المقترحة في حجم مفرش المائدة. ولكن بينما قبل وايزمان بالتقسيم كجزء من التوجه المستمر المؤيد لبريطانيا، فقد بن جوريون إيمانه ببريطانيا وأعلن عن تقديره لخطة بيل من أجل الفرصة التي تقدمها لبناء قوة مستقلة للمجتمع اليهودي في فلسطين.
لكن رغم أن بن جوريون وافق على التقسيم، فإنه لم ينظر أبداً إلى الحدود التي رسمتها خطة لجنة بيل على أنها حدود دائمة.
إن طبيعة ومدى النزعة التوسعية لدى بن جورين كشف عنها النقاب وبدت سافرة في خطاب بعث به إلى ابنه آموس من لندن في 5 أكتوبر 1937. وفي هذا الخطاب أماط بن جوريون اللثام عن شدة حماسه لإقامة الدولة اليهودية، حتى لو تضمن ذلك تقسيم فلسطين، وذلك لأنه كان يعمل على أساس أن هذه الدولة لن تكون النهاية ولكنها مجرد بداية. فهذه الدولة سوف تمكن اليهود من الهجرة بلا حدود، وبناء الاقتصادي اليهودي، وبناء جيش من الطراز الأول. وكتب يقول "إنني على يقين، أننا سوف نكون قادرين على الاستيطان في كل أنحاء البلد، سواء عن طريق الاتفاق والتفاهم المتبادل مع جيراننا العرب أو بأية وسيلة أخرى".
إن كلاً من عقل وقلب بن جوريون قد قالا له "أقم الدولة اليهودية في الحال، حتى لو لم تكن على كل الأرض، فالبقية سوف تأتي مع الوقت، لابد أن تأتي".
أيدت الغالبية العظمى من الصهاينة بن جوريون في قبول التقسيم وبناء الدولة اليهودية. وفي المؤتمر الصهيوني العشرين، الذي عقد بمدينة زيورخ، تمت مناقشة كل الذرائع المؤيدة والمعارضة للتقسيم. كانت أول مناقشة واسعة النطاق للتقسيم وأيضاً أكثر المناقشات خطورة وحدة في تاريخ الصهيونية. حيث عرض كل من المعسكرين قضيته بقدر عظيم من الحماس والاقتناع. وقام المحللون بتناول ثلاث قضايا وهي:
عدم التفريط في أرض الميعاد وما جاء في التوراة، وأن الدولة اليهودية ليست مؤهلة حتى الآن للوقوف على قدميها، وأن بريطانيا يجب أن تلتزم بتعهداتها في ظل تصريح بلفور والانتداب.
وصوت 299 مندوباً لصالح اقتراح بن جوريون وصوت 160 مندوباً ضده وامتنع 6 مندوبين عن التصويت. وانتهى بإصدار القرار الاستراتيجي الخاص بتأييد التقسيم وإقامة دولة يهودية على جزء من أرض فلسطين. وفي نهاية المؤتمر، تقدم بن جوريون لإعادة الترشيح كرئيس للمجلس التنفيذي للوكالة اليهودية وذلك بهدف العمل على إقامة الدولة اليهودية. وكان عليه أن يكرس العشرة أعوام التالية من حياته لتنفيذ هذا الهدف الأوحد.
كان الصراع من أجل إقامة الدولة مصحوباً بالكثير من الخلافات، ولكنها كانت خلافات حول الوسائل وليست حول الهدف الطويل الأمد. والتزام بن جوريون الخاص بإقامة الدولة لم يتزحزح أمام المعارضة العربية أو المراوغات البريطانية. وعلى الرغم من أنها كانت صاحبة المبادرة في مشروع التقسيم عام 1937، فإن الحكومة البريطانية بدأت التراجع عنه مع اقتراب الحرب العالمية الثانية، كان الحصول على دعم الدول العربية والعالم الإسلامي بشكل عام أكثر أهمية لبريطانيا في صراعها مع دول المحور من دعم اليهود. فعلى حين غرة احتوى البيان الرسمي الصادر في 17 مايو 1939 ما يخالف تماماً التأييد البريطاني للصهيونية وللدولة اليهودية. بحكمه على اليهود بأن يظلوا أقلية في دولة فلسطينية مستقلة. ولذلك كان في على الحركة الصهيونية أن تسارع إلى بناء قوتها العسكرية الخاصة، من خلال المنظمة العسكرية المسماة اللهاجاناه "Haganah وهي كلمة عبرية تعني الدفاع" وذلك من أجل التصدي للمقاومة العربية.
ولأن هذا التنظيم قد اعتنق نهجاً دفاعياً احتفظ له بصورة جيدة أمام الرأي العام، فإنه تبنى سياسة قائمة على استخدام القوة من أجل مواجهة استخدام القوة والتهديد باستخدامها من جانب خصومه العرب. والروح العدوانية التي كانت مغلفة دائماً بالروح الدفاعية أصبحت أكثر تجلياً فور اندلاع الثورة العربية.
في نفس الوقت صعد اليهود من مقاومتهم النشطة لسياسة الكتاب الأبيض (البريطاني) الذي قيد شراء اليهود للأرض والهجرة اليهودية إلى فلسطين. وأدى قيام الحرب العالمية الثانية في سبتمبر 1939 إلى وضع اليهود في ورطة قاسية، فهم كانوا يقفون خلف بريطانيا في كفاحها ضد ألمانيا النازية ولكنهم كانوا يقفون أيضاً ضدها في الكفاح من أجل فلسطين.
ومع ذلك تم العثور على وسيلة للخروج من الورطة يمكن إيجازها ببلاغة في شعار بن جوريون القائل: "سوف نقاتل مع البريطانيين ضد هتلر كما لو لم يكن هناك كتاب أبيض، وسوف نقاتل الكتاب الأبيض كما لو لم تكن هناك حرب".
وخلال الحرب العالمية الثانية أصبح بن جوريون أكثر تأكيداً على الحق اليهودي في السيادة السياسية، بينما ينكر هذا الحق على الأغلبية العربية في فلسطين. والحل الذي قدمه للمشكلة السكانية اليهودية تضمن هجرة اثنين أو ثلاثة ملايين يهودي إلى فلسطين فور انتهاء الحرب. وزعم أن المشكلة العربية تتضاءل مقارنة بالمشكلة اليهودية لأن العرب لديهم مساحات شاسعة من الأرض خارج فلسطين، بينما اليهود، الذين كانوا مضطهدين في أوروبا، فتمثل فلسطين لهم الجنة الوحيدة.
ولذلك أصبح ينظر إلى المشكلة العربية على أنها مجرد حالة أقلية عربية داخل دولة ذات أغلبية يهودية واسعة. وقد تم التعبير عن المفهوم الجديد للدولة اليهودية على كل فلسطين من خلال ما أطلق عليه برنامج بيلتمور. ففي اجتماع غير عادي للصهاينة الأمريكيين، حضره كل من وايزمان وبن جوريون، بفندق بيلتمور بنيويورك في مايو 1942، تم تبني قرار ينادي باعتبار "فلسطين كومنولث يهودي يمثل جزءاً لا يتجزأ من العالم الديمقراطي الجديد" بعد الحرب العالمية الثانية. بهذا القرار ولأول مرة تطالب الحركة الصهيونية على الملأ بكل فلسطين. والهدف الخاص بالتوصل إلى اتفاق يهودي – عربي لم يتم إغفاله، ولكنه أصبح الآن وبشكل واضح من المتوقع أن يلي من حيث الأولوية إنشاء الدولة اليهودية أو الكومنولث ولا يأتي قبلها.
وتم تبني برنامج بيلتمور قبل أن ينتشر رعب الحملة النازية لإبادة يهود أوروبا. وافترض الزعماء الصهاينة أنه بعد انتهاء الحرب سوف يكون هناك الملايين من اللاجئين اليهود في أوروبا يمكن أن تؤدي مشكلتهم إلى تقديم المزيد من الدعم لقضية إنشاء دولة يهودية واسعة في فلسطين. ولم يتوقع أحد منهم محارق الإبادة الجماعية، ذلك الحادث الأكثر مأساوية في التاريخ اليهودي، حيث أبيد نحو ستة ملايين يهودي. ومع ذلك، أصبحت مأساة يهود أوروبا في النهاية مصدراً لقوة الصهيونية.
فالقضية الأخلاقية المتمثلة في إقامة وطن للشعب اليهودي في فلسطين والتي كانت مقبولة على نطاق واسع منذ البداية، أصبحت بعد محارق الإبادة الجماعية لا تقبل الجدل وقد وصف الشاعر روبرت فروست الوطن بأنه المكان الذي إذا ذهبت إليه فإنهم يجب أن يسمحوا لك بالدخول. وأنكر القليل على اليهود حقهم في أن يكون لهم وطن بعد المأساة التي تعرضوا لها في وسط أوروبا.
وخرج من أتون الحرب العالمية الثانية نوع من الصهيونية أشد صلابة، وأصبح الإصرار على إقامة الدولة اليهودية أكثر عمقاً وأكثر إلحاحاً في ظل محارق الإبادة الجماعية. فمن ناحية، زادت الهولوكست من اقتناع الصهاينة بأن الحق في جانبهم في صراعهم في فلسطين، ومن ناحية أخرى، جذبت أنظار الرأي العام العالمي إلى فكرة الدولة اليهودية المستقلة.
وقد قام بن جوريون بتجسيد مفهوم "الصهيونية المقاتلة" التي بعثت من بين أنقاض الحرب العالمية الثانية، وانتزع الزعامة من بين يدي وايزمان، الذي كان لا يزال ملتصقاً "بالصهيونية الدبلوماسية" والتحالف مع بريطانيا. وأصر المؤتمر الصهيوني الذي عقد في أغسطس 1945 – على نحو يتناقض مع نصيحة وايزمان – على سياسة المعارضة النشطة للحكم البريطاني، وفي شهر أكتوبر بدأ التنفيذ العسكري. فصدرت الأوامر للهاجانه بالتعاون مع الجماعات المنشقة التي تكونت استجابة للصهيونية الجديدة وكانت الجماعة الأساسية تسمى المنظمة العسكرية القومية (أرجون) التي بدأت توجيه عملياتها ضد الإدارة البريطانية في فلسطين بعد نشر الكتاب الأبيض عام 1939. وفي وقت لاحق من ذلك العام، عندما أوقفت أرجون حملتها ضد البريطانيين، حدث الانشقاق. وانسحب الجناح الأكثر تشدداً بقيادة أفراهام شتيرن من أرجون لكن بشكل ما يعرف باسم (المقاتلون من أجل حرية إسرائيل)، أو Lehi ليحي تبعاً لأوائل الكلمات العبرية، أو عصابة شتيرن. كانت عصابة شتيرن شديدة العداء للبريطانيين لدرجة أنها سعت إلى الاتصال بقوات المحور من أجل طرد البريطانيين من فلسطين. وعلى الرغم من أن عدد أعضاءها لم يتجاوز ثلاثمائة عضو إلا أنها كانت شوكة في ظهر البريطانيين. وفيما بين نوفمبر 1945 ويوليو 1946 توحدت المنظمات السرية الثلاثة معاً لكي تشكل ما عرف باسم "حركة الثورة اليهودية".
وأجبرت الإجراءات العسكرية البريطانية الصارمة القادة الصهاينة على وقف نشاط الثورة اليهودية، وحاولوا بدلاً من ذلك دق إسفين بين بريطانيا والولايات المتحدة على الساحة الدبلوماسية. حيث كانت بريطانيا تسعى إلى الحصول على التأييد الأمريكي لخطتها الخاصة بإنشاء ولايات يهودية وعربية تتمتع بالحكم الذاتي، وهي خطة رفضت تماماً من جانب الصهاينة. ومن أجل الحصول على التأييد الأمريكي قرر أعضاء المجلس التنفيذي للوكالة اليهودية في أغسطس 1946 الموافقة على إنشاء دولة يهودية على مساحة كافية من أرض فلسطين. وعبر هذا القرار عن التخلي عن برنامج بيلتمور والعودة إلى مبدأ التقسيم. ولم ينظر إلى هذا القرار على أنه بمثابة تقديم تنازل للعرب ولكن كوسيلة للحصول على الدعم الأمريكي لفكرة الدولة اليهودية. وفي فبراير 1947، قامت الحكومة البريطانية – بعد عجزها عن التوصل إلى حل يقبله الطرفان – بإحالة مشكلة فلسطين إلى الأمم المتحدة.
وفي 29 نوفمبر 1947 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها التاريخي رقم 181 لصالح تقسيم فلسطين. وفي مثال نادر للاتفاق أثناء الحرب الباردة، صوتت كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي لصالح القرار بينما امتنعت بريطانيا عن التصويت. وقد وضع القرار جدولاً زمنياً لإقامة دولة يهودية ودولة عربية يرتبطان معاً باتحاد اقتصادي، ونظام دولي لإدارة القدس. وتم وضع حدود طويلة ومتعرجة تفصل الدولة اليهودية عن الدولة العربية، مع وجود نقاط عبور لربط المناطق المعزولة في شرق الجليل والسهل الساحلي والنقب. وحدود هاتين الدولتين ذات الشكل الشاذ والتي تشبه ثعبانين يتقاتلان كانت عبارة عن كابوس استراتيجي (أنظر الخريطة 3). ولم يكن التركيب السكاني للدولة اليهودية المقترحة أقل غرابة أو أكثر قابلية للتطبيق حيث تتكون من 500 ألف يهودي و400 ألف عربي. وعلى الرغم من كل عيوبه وغرابته، فإن قرار الأمم المتحدة عبر عن انتصار كبير للدبلوماسية الصهيونية. وعلى الرغم من أن القرار لم يرق إلى مرتبة الطموح الصهيوني الهائل في دولة تشتمل على كل فلسطين والقدس، فإنه قدم وثيقة لا تقدر بمال تبرهن على الشرعية الدولية لإقامة دولة يهودية مستقلة. وقوبلت أنباء تصويت الأمم المتحدة بالهتاف والتهليل من جانب اليهود في كل مكان. ولكن أتباع جابوتنسكي في أرجون وعصابة شتيرن لم ينضموا إلى الاحتفالات العامة. وبعد مرور يوم من تصويت الأمم المتحدة أعلن مناحم بيجين قائد أرجون بيان مقاتلي الجماعات السرية: "إن تقسيم فلسطين غير شرعي ولن نقبل به أبداً .... والقدس كانت وستظل عاصمتنا إلى الأبد. وإسرائيل الكبرى سوف تعود إلى شعب إسرائيل. كل إسرائيل. وإلى الأبد".
وافقت الوكالة اليهودية رسمياً على مشروع الأمم المتحدة للتقسيم، ولكن معظم زعمائها قد فعلوا ذلك بقلب حزين. فهم لم يستحسنوا فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة، وكانوا يشعرون بالأسى لاستبعاد القدس، كما أنهم تشككوا في مدى إمكانية قيام دولة يهودية داخل الحدود التي رسمتها الأمم المتحدة. وعلى الرغم من ذلك، اعتبر قرار الأمم المتحدة كسباً هائلاً للتأييد الدولي لإقامة دولة يهودية بصرف النظر عن مدى إمكانية تطبيق ذلك.
وقام عرب فلسطين – الذين هم بخلاف اليهود ولم يحاولوا تهيئة أنفسهم لقبول إقامة الدولة – برفض قرار التقسيم قلباً وقالباً. وقد شجبت اللجنة العربية العليا الممثلة للعرب مشروع التقسيم ووصفته بأنه "مناف للعقل وغير عملي وغير عادل". كما أعلنت الدول العربية – المنتظمة في جامعة الدول العربية منذ عام 1945 – أيضاً أن مشروع الأمم المتحدة غير شرعي وهددت بمنعه باستخدام القوة. وفي الأول من ديسمبر عام 1947 أعلنت اللجنة العربية العليا الإضراب لمدة ثلاثة أيام والذي كان مصحوباً بهجمات عنيفة على المدنيين اليهود.
إن اقتراع الأمم المتحدة المؤيد للتقسيم لم يقدم فقط الشرعية الدولية لإنشاء دولتين إحداهما يهودية والأخرى عربية ولكنه أيضاً – على نحو غير متعمد – كانت إشارة البدء لاندلاع حرب طاحنة بين الطرفين في فلسطين.